عماد حسب الرسول الطيب: 12. البرنامج الانتقالي.. كيف تتحول المطالب إلى سلاح؟

يتناول عماد حسب الرسول الطيب البرنامج الانتقالي في السودان كأداة صراع وتحويل المطالب المعيشية إلى سلطة، مع أسئلة حول التنظيم والكوادر والجيش والسلطة المزدوجة.
البرنامج الانتقالي كجسر بين يوم العمال وغد المجتمع
يؤكد الكاتب أن المشكلة لا تتلخص في تحسين شروط التفاوض مع المجلس العسكري، ولا في الضغط على أحزاب طائفية بحد ذاتها، بل في غياب “السلاح المختلف” القادر على تحويل الغضب إلى قدرة تنظيمية.. فحين يكون الشارع قادراً على التعطيل فقط، فإنه يظل عاجزاً عن البناء.. هنا يتحول البرنامج الانتقالي من فكرة مكتوبة تُرفع في مؤتمرات، إلى أداة صراع تربط بين ما يطلبه العامل اليوم—أجر أعلى، ساعات أقل، خبز أرخص—وبين ما يحتاجه المجتمع كي يحكم نفسه غداً.
الكاتب لا يعرض البرنامج كمقاس جاهز يُطبق في كل زمان ومكان.. يستعيد، من زاوية نقدية، جذوره التاريخية: نظرية “نظام المطالب الانتقالية” التي ارتبطت بليون تروتسكي عام 1938، كفكرة هدفها أن تنبثق المطالب من ظروف الحياة نفسها ومن وعي قطاعات واسعة من الطبقة العاملة.. لكن المفصل الحاسم—وفقاً للطرح—أن البرنامج لا يصبح ثورياً تلقائياً، بل يفضح داخل النضال أن تحقيق المطلب الفوري داخل النظام القائم مستحيل، وأن هذا الاكتشاف يصنع جسراً نحو تغيير أشمل.
لماذا فشل “الجسر” حين بقي بلا حامل اجتماعي؟
في السودان، بحسب الطرح، لا تكفي الوصفة إذا غاب “حاملها”.. فهناك—وفقاً لعماد حسب الرسول الطيب—طبقة عاملة مركزة ومنظمة كما كانت في روسيا 1917 لم تعد بنفس الدرجة، بينما الرأسمالية الريعية خلقت أنماطاً من بطالة مزمنة وعمالة مؤقتة غير مستقرة، ومساحة واسعة للقطاع غير الرسمي خارج قدرة النقابات التقليدية على التعامل معه.. وبذلك يصبح أي برنامج انتقالي خطاباً جميلاً بلا حامل قادر على تنفيذه.
هنا يدخل التفصيل الاقتصادي كاختبار صريح: مطالب مثل “سلم متحرك للأجور” تبدو منطقية، لكنها تصطدم بمنطق الاحتكار والريع الذي لا يسمح بها دون تهديد هامش الربح—وبالتالي دون انهيارات أو انعكاسات غير مرغوبة.. ومطلب “حق العمل للجميع” مع ضمان الأجر يتطلب تجاوزاً جذرياً لسياسات التسريح والخصخصة.. الكاتب يستنتج أن هذه ليست “إصلاحات” فقط؛ بل أشغال شاقة في جسد النظام، تكشف عجزه عن الاستمرار دون تغيير علاقات الملكية.
تحويل المطالب إلى سلطة: من تأميم المال إلى ميليشيات الحماية
من جهة أخرى، يقدّم الكاتب مقاربة مختلفة للسؤال عن الرقابة.. ففي اقتصاد ريعي حيث البنوك ليست ممولاً للإنتاج بل أدوات لتحويل العملة الصعبة وتهريب رأس المال، قد تعني الرقابة العمالية عملياً منع تصريف الأموال إلى الخارج، كشف الحسابات السرية للنافذين، وإعادة توجيه الائتمان نحو الإنتاج المحلي.. لكن العقبة هنا ليست سياسية فقط—بل تقنية أيضاً.. فجودة التنفيذ تحتاج خبرات إدارية واقتصادية، وهي خبرات عادةً لا تتوفر بسرعة في قيادات نقابية تفتقر إلى تدريب اقتصادي مُسبق.. لذلك لا يمكن—بحسب الطرح—أن يبدأ البرنامج من الصفر لحظة سقوط الديكتاتور؛ ينبغي أن تُبنى كوادر مدربة قبل لحظة الانكشاف.
ومن أكثر النقاط حساسية في المقال “استراتيجية التعامل مع الجيش”.. يرفض الكاتب منطق نزع سلاح الجيش بالتفاوض، ويطرح بدلاً عنه تشكيل ميليشيات شعبية من العمال والفلاحين كسلطة موازية مسلحة تجعل الانقلاب العسكري مكلفاً إلى درجة الاستحالة.. هذه الميليشيات، في تصور الكاتب، لا تنشأ لحظياً؛ بل تتغذى من لجان المصانع ولجان الأحياء ولجان المقاومة، مع تدريب سري قبل الثورة وإعلان علني في لحظة تردد الجيش.
وفي إطار ترتيب الأولويات قبل لحظة الاقتحام، يركز الكاتب على مطالب توحد العمال والحرفيين والعاطلين والطلاب.. مثال “حق العاطلين في إعانة” ممولة من ضرائب أرباب الاحتكار—بحسب المقال—يمس بنية الهامش والاقتصاد غير الرسمي ويقدم عدالة إعادة توزيع.. ثم ينتقل إلى مطالب أكثر اتصالاً بمراكز تراكم رأس المال الطفيلي مثل دمج اقتصاد الذهب التقليدي والعشوائي في قطاع عام تحت إدارة عمال المناجم.. عند لحظة الاقتحام، تتقدم أولويات ترتبط بقدرة التمويل على كسر تماسك القوة العسكرية: تأميم القطاع المالي ثم الرقابة على المصانع وعلى التجارة الخارجية.
وبينما يبدو هذا التسلسل منطقياً، فإن الكاتب يحذر من خلط مستويين من العمل: البرنامج كأداة تحليلية لفهم تناقضات النظام، والبرنامج كأداة تنظيمية تحدد من يفعل ومتى وكيف.. إذا بقي البرنامج تحليلاً دون تنظيم، سيظل “ورقة”.. هنا تصبح “الأزمات” ليست في الأفكار وحدها، بل في غياب هيئات قاعدية تربط المطالب بالإنتاج وتحول التحالفات إلى سلطة قابلة للاستمرار.
ما الذي يعنيه ذلك لثورة لا تريد تكرار الفشل؟
وفي النهاية، يقارب الكاتب فكرة “السلطة المزدوجة” بوصفها الخطوة التي تكتمل بها الصورة: لأن البرنامج دون مجالس عمالية تدير المصانع، ولجان أحياء تسيطر على التوزيع، وميليشيات شعبية تنزع السلاح من الجيش، يبقى حلماً جميلاً.. التحذير هنا قريب من واقع الناس: حين تتعطل الآليات بعد لحظة الشعار، تتبدد السلطة ويعود النظام ليعيد إنتاج الفشل بأشكال جديدة.
بذلك، يصبح البرنامج الانتقالي—خصوصاً إذا استخدم كأداة تنظيمية لا مجرد تصور—محاولة جادة لتحويل المطالب إلى قدرة حكم.. وهذا، بالنسبة للقارئ، ليس نقاشاً نظرياً مجرداً؛ بل سؤال يومي عن من يمتلك القرار في الاقتصاد، ومن يملك القدرة على حماية ما ينتزع من الشارع، ومن يضمن أن الانتقال لا ينتهي بخسارة جديدة للناس.