غزة تستعد لأول انتخابات محلية منذ عقدين في دير البلح

تستعد مدينة دير البلح وسط قطاع غزة لإجراء أول انتخابات محلية منذ عام 2005، في خطوة استثنائية تعكس تغيراً في المشهد الميداني والسياسي وسط تحديات الحرب والتعقيدات الإدارية.
تستعد مدينة دير البلح وسط قطاع غزة لخوض غمار انتخابات محلية هي الأولى من نوعها في القطاع منذ قرابة عقدين من الزمن، في خطوة توصف بأنها اختبار حقيقي للعملية الديمقراطية وسط ظروف استثنائية.
تأتي هذه الخطوة بناءً على قرار أصدره رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية محمود عباس، لاختيار دير البلح كمركز وحيد للاقتراع في غزة، نظراً لكونها المنطقة الأقل تضرراً من الناحية البنيوية مقارنة بباقي مناطق القطاع التي دمرتها الحرب.. هذا المشهد يعيد للأذهان انتخابات عام 2005، التي كانت آخر محطة انتخابية شهدها القطاع قبل سنوات من الانقسام السياسي، حيث كانت البلديات تُدار منذ ذلك الحين عبر التعيينات والتزكيات المباشرة.
إن إجراء انتخابات في مدينة تغص بالنازحين وتعيش تحت وطأة واقع أمني معقد يمثل مغامرة إدارية ولوجستية غير مسبوقة.. بالنسبة للمواطنين، لا تقتصر المسألة على اختيار أعضاء للمجلس البلدي، بل تمتد لتكون بارقة أمل في استعادة الحد الأدنى من الخدمات العامة والرقابة المجتمعية.. ومع ذلك، يطرح المراقبون تساؤلات حول مدى قدرة هذه القوائم المستقلة والعشائرية على مواجهة التحديات الهائلة المتمثلة في إعادة الإعمار، توفير المياه، وتأمين الكهرباء في ظل شح الموارد المتاحة.
وعلى الصعيد اللوجستي، أكدت لجنة الانتخابات المركزية جاهزيتها لتدبير العملية، حيث تم تجهيز 12 مركزاً للاقتراع، معتمدة على نظام القوائم المغلقة.. ورغم الصعوبات، يبرز الحضور العشائري والعائلي كعامل أساسي في المشهد الانتخابي الحالي، حيث يغيب الدعم الفصائلي العلني، مما يعكس رغبة الناخب في البحث عن حلول ميدانية بعيداً عن التجاذبات السياسية الكبرى التي تستهلك طاقة الشارع منذ سنوات طويلة.
وفي السياق ذاته، يرى خبراء التنمية أن هذه الانتخابات -رغم محدودية نطاقها الجغرافي- قد تشكل نموذجاً مصغراً لاختبار قدرة المؤسسات الفلسطينية على استعادة حيويتها في غزة.. إن نجاح هذه التجربة قد يفتح الباب لتوسيع نطاق الاقتراع ليشمل مناطق أخرى فور تحسن الظروف الأمنية، مما يمنح السكان صوتاً مباشراً في اختيار ممثليهم الذين سيتولون عبء تقديم الخدمات الأساسية.
إن تأثير هذه الانتخابات يمتد إلى ما هو أبعد من صناديق الاقتراع؛ فهي محاولة لإعادة الاعتبار للمؤسسات المحلية التي عانت طويلاً من التهميش.. فالبلدية ليست مجرد مرفق خدماتي، بل هي العمود الفقري لأي مجتمع يسعى للتعافي من آثار الحروب والأزمات المتراكمة.. لذا، تكتسب التشكيلة المقبلة للمجلس البلدي في دير البلح أهمية رمزية وعملية تفوق حجم التوقعات الفردية، إذ إنها ستكون المسؤولة الأولى عن إدارة ملفات حيوية تتعلق بحياة آلاف العائلات التي فقدت كل شيء.