Iraq News

حروب السرديات (5): الصورة كسلاح… كيف تشتعل المعركة في عقولنا؟

المقال يقرأ المعارك الحديثة على أنها حرب سرديات بصرية: لقطات، خرائط، تلاعب بالذاكرة، وسرديات أمريكية وإسرائيلية وإيرانية تتقاطع لتشكيل الرأي… حتى حين تبدو الحقائق صوراً فقط.

الصورة ليست مجرد ما تراه العين؛ أحياناً تكون ما تُصنع به القناعات وتُدار به المواجهات.

عندما تتحول اللقطة إلى “نص” يُعاد تشغيله في الرأس

يرى النص أن الصورة داخل السرد الحربي ليست “لقطة” تنتهي عند انتهاء النقل، بل شريحة بصرية يمكنها برمجة الذهن.. قد يبدو الأمر أشبه بسحرٍ لغوي، لكن تأثيره ملموس: الصور تُكمل القصة نيابةً عنك.. أنت لا تراقب فقط؛ أنت تُنتج معنىً يتوافق—وعلى نحو خفي—مع ما تحاول السردية تمريره، سواء كان ذلك تبريراً للضربات أو تجييشاً للعواطف أو تشويشاً على ما يجري خلف الستار.

وهنا تتبدى علاقة الصورة بالحرب الأمريكية-الإيرانية كما تتابعها «Misryoum»: فالبصر صار أداة قتالية للتفاعل مع الأحداث، ليس لأن الرؤية وحدها تحسم الصراع، بل لأنها تُحسن استثمار عجز الإنسان عن الاستمرار بلا معنى.. حين تتراكم اللقطات وتتداخل مع “عالمك البصري”، يصير النزاع جزءاً من نسيج حياتك اليومية—حتى وأنت لا تقصد—وتتحول متابعة الحرب إلى استعداد دائم لما قد يأتي من مشاهد جديدة.

الخرائط واللقطات: كيف تُبنى المعركة إلكترونياً ثم تُعرض بصرياً؟

لكن الأهم في قراءة «Misryoum» هو أن هذه الأدوات تتحول—عند العرض الإعلامي—إلى لغة مشتركة بين الجيش والرأي العام.. عندما تُعرض الصور على شكل “تتابع” و“تفسير”، يسهل على الجمهور أن يستخلص منها سردية جاهزة: من هو المعتدي؟ ما حجم الضرر؟ أين تتوقف المسؤولية وأين تبدأ؟ الصور تضع المتلقي أمام عالم مُهيكل بصرياً، فيبدو كل شيء طبيعياً، وكأن ما يحدث نتيجة “منطق” مرئي، لا نتيجة اختيار سردي.

وفي هذا السياق تظهر أهمية الحركة داخل الصورة: انتقالات الكاميرا، زوايا القصف، وتبديل المشاهد بين القريب والبعيد.. النص يلفت إلى أن جغرافيا الصور لا تتطابق بالضرورة مع الجغرافيا التي تتحرك فوقها القوات؛ الجغرافيا هنا تُصمم لتقود ذاكرة المشاهد.. قد لا يكون الهدف توثيق ما وقع، بقدر ما هو إنتاج مشهد ثابت—قابل للاحتفاظ—عن معنى ما يحدث.

بين أمريكا وإسرائيل وإيران: تنافس سرديات… وأكاذيب تُلبس شكل الحقيقة

في المقابل، تتبدى إسرائيل في النص كطرف لا يكتفي باستثمار الحرب في الميدان، بل يقدّم أيضاً حرباً على مستوى الذاكرة والصورة.. تَرِد فكرة «نزاع بصري سردي» بين الصور الأمريكية والصور الإسرائيلية: كلاهما يريد جر المتلقي إلى دائرة محددة من الفهم، لكن إسرائيل—كما يعرض النص—تتحرك بخطوة استباقية في وضح النهار.. كما يُشار إلى أن الأخبار تُنقل بطريقة تحوّل الضربات إلى سرد عن قوة دفاعية، بحيث يصبح التفسير جزءاً من شكل المشهد وليس نتيجة بعده.

المهم في هذه القراءة أن “صور الدمار” قد لا تُعرض كما هي، ليس فقط لأسباب إخفاء، بل لأسباب إدارة المعنى: حين تظهر التفاصيل قد تتغير الاستجابة النفسية، وقد تتشوش السردية التي تحاول أن تجمل الواقع أو تحرف مساره.. «Misryoum» هنا يعيد ترتيب الفكرة في ذهن القارئ: الصورة ليست بريئة، لكنها ليست أيضاً مجرد دعاية صريحة.. أحياناً تكون طريقة لصناعة شعور بالاتزان—حتى عند وجود فوضى—وأحياناً تكون طريقة لتقليل قدرة المتلقي على مساءلة ما يرى.

ومن زاوية أخرى، تتشكل سردية من جهة إيران أيضاً عبر انتقائية الصور: حادثة مدرسة تُذكر كمدخل لتحريك الاهتمام الدولي وتوجيه أنظار المنظمات الحقوقية، وتصبح اللقطة المفصلية عقدة في ذاكرة الجماعة، تُستدعى كلما احتاج الطرف إلى إعادة صياغة سؤال المسؤولية.

حين يتدخل الذكاء الاصطناعي: من “مشهد” إلى “حقيقة مصنوعة”

أثر يومي على المتلقي: لماذا يصعب “فصل” الصورة عن الحرب؟

هذا هو الخطر العملي الذي تُحذر منه «Misryoum» ضمنياً: عندما تتنافس الأطراف على الصورة، تصبح الحقيقة مرهونة بمن يمتلك أدوات العرض والتكرار وزوايا الكاميرا والإيقاع.. وقد تتحول حتى السخرية—كما يصف النص عن أسلوب ترامب—إلى أداة تشويش وخلط بين جدية الحدث وصورته، بحيث يُترك المتلقي بين انفعالٍ مضلل وقراءة غير مكتملة.

وفي هذا العالم، لا يعود السؤال “ما الذي حدث؟” وحده، بل يصبح السؤال: “كيف صُوِّر ما حدث؟ ولماذا اختير هذا المشهد دون غيره؟” صورة واحدة قد تحمل طبقات: دلالة الصراع ودلالة البوح، الحركة والسكون، الصدق والخداع.. لذلك قد لا تكون الصورة وفيةً لموضوعها حتى النهاية، لكنها تظل وفيةً—للسردية التي تريد أن تعيش في رأسك أطول مما ينبغي.