زكي رضا: العراق بين إستعصاء سياسي وأستهتار سياسي

بعد خمسة أشهر من انتهاء انتخابات 2025 بلا حكومة، يصف زكي رضا ما يحدث بأنه بين استعصاء سياسي واستَهتار؛ ويؤكد أن المحاصصة أضعفت الثقة وأبقت الملفات رهينة لتجاذبات داخلية وإقليمية ودولية.
مرّت أكثر من خمسة أشهر على انتهاء انتخابات العراق 2025، وما يزال المشهد السياسي يراوح مكانه بلا قدرة القوى المتنافسة—وخاصة الكتلة الشيعية ممثلة بـ{الأطار الشيعي} أو {التنسيقي}—على حسم ملف ترشيح رئيس الوزراء وتشكيل حكومة جديدة.
يبدو السؤال المطروح اليوم بسيطًا على الورق: من يتولى رئاسة الحكومة وفق نظام المحاصصة؟ لكن هذا “المسار” صار يتجاوز حدود التوافق إلى ما يشبه العقدة المتكررة في كل مرة تُفتح فيها دورة تشكيل الوزارات.. ومع بقاء الخلافات قائمة حول من يُقدَّم لرئاسة الوزراء، لا يعود الأمر خلافًا عابرًا بين شركاء، بل يصبح دلالة على عجز عن إنضاج صيغة مقبولة لدى أطراف التحالف الشيعي من جهة، وأطراف إقليمية ترتبط لديها ملفات تشكيل الحكومة من جهة ثانية، إضافة إلى حضور أطراف دولية.
يرى زكي رضا أن الأزمة لا تقف عند مرحلة الترشيح وحدها، لأن تجاوز المدد الدستورية يحوّل التأخير إلى شيء أكثر حساسية من “تعثر” سياسي.. فحين يطول الانتظار إلى درجة تُشعر الناس بأن العملية السياسية نفسها تُدار ببرود، تصبح المعادلة أقرب إلى الاستهانة بالمؤسسات وبنتائج الانتخابات أكثر من كونها تعثرًا مؤقتًا.. الانتخابات—رغم ما يكتنفها من ملاحظات—تظل في جوهرها تعبيرًا عن إرادة الناخبين، وتعطيل مسارها بهذه الصورة يضرب الثقة بالنظام السياسي كله، لا بمجموعة بعينها.
وبحسب طرح زكي رضا، فإن “العملية السياسية” التي يفترض أن تكون انعكاسًا لخيارات المواطنين، تبدو في الواقع جزءًا من ترتيبات أوسع ضمن ملفات سياسية إقليمية ودولية.. وفي مكان من المفترض أن تُصبح الحكومة أداة لخدمة مصالح الناس ومعالجة احتياجاتهم، يُعاد توجيه القرار نحو حسابات لا ترتبط مباشرة بتخفيف الأزمات اليومية أو تقليل التجاذبات التي تستنزف المنطقة.. من هنا، لا ينظر الكاتب إلى ما يجري داخل غرف التفاوض المغلقة على أنه استعصاء فقط، بل هو—وفق المنطق الذي يقدمه—استهتار سياسي.
هذا الاستهتار، كما يلمّح زكي رضا، لا يتوقف عند حدود تشكيل الحكومة.. بل يُظهر—بحسب القراءة العامة للأزمة—أن وراء التأخير مشكلة أعمق: أزمة سياسية تمس بنية “العملية السياسية” برمتها.. وحين تتآكل الثقة، لا تظل النتيجة حبيسة ردود فعل إعلامية أو بيانات متبادلة، بل تمتد إلى سلوك المواطنين أنفسهم: عزوف عن الفعل السياسي، وتراجع عن المشاركة الفعلية، وتراجع اهتمام الأحزاب عن تجديد خطابها أو ربطه باحتياجات الناس.. في لحظة كهذه، تصبح السياسة مجرد “ساحة انتظار” لا “مسار إنجاز”.
ولفهم ما يحدث، يعود زكي رضا إلى الجذر: استمرار طبيعة النظام القائم على المحاصصة الطائفية-القومية.. هذا النظام—كما يقدمه—ثبت عجزه منذ سنوات طويلة عن إنتاج حكومات تخدم البلد وسياساته الوطنية، إذ تتقدم آليات تقاسم السلطة على حساب الدولة ومؤسساتها وقدرتها على الاستجابة.. لذلك لا ينتهي الأمر إلى مجرد بطء في تسمية رئيس وزراء أو تأخير جلسات تشكيل وزاري؛ بل يتحول إلى إعادة إنتاج للفشل ذاته، لأن قواعد اللعبة تميل إلى توزيع المناصب بدل بناء برامج تُقاس بنتائج.
في هذا السياق، يطرح الكاتب أن الخروج من المأزق لا ينبغي أن يقتصر على “تسريع” تشكيل الحكومة بالشكل فقط.. المطلوب—وفقًا لتقديره—مراجعة جذرية لقواعد وأسس العملية السياسية ذاتها: أن تكون الدولة مبنية على الكفاءة والمواطنة، لا على محاصصة وتوازنات سياسية تُغرق القرار في صفقات داخلية وتنازلات تحت الضغوط.. ويضيف أن الاستمرار في تنازل القوى المهيمنة للضغوط الإقليمية والدولية يفرغ القرار السياسي من مضمونه الوطني ويجعله عرضة لحسابات لا تخدم بالضرورة مصالح العراق وشعبه.
ومن زاوية أوسع، يمكن قراءة ما يمر به العراق على أنه اختبار لاستدامة النموذج السياسي نفسه.. فكلما طالت المسافة بين الانتخابات والنتائج الفعلية على الأرض، اتسعت الهوة بين الدولة ومواطنيها، وتزايدت القناعة بأن التغيير لا يُصنع عبر صناديق الاقتراع بل عبر غرف تفاوض مغلقة.. ومع تكرار دورة التأخير، تصبح كل انتخابات لاحقة أكثر قابلية لفقدان معناها العملي في عيون الناس، خصوصًا مع تزايد الأعباء الاقتصادية والاجتماعية التي تحتاج إلى قرارات سريعة ومؤسسات فاعلة.
في النهاية، يختتم زكي رضا رؤيته بصورة مباشرة: لن تقوم للعراق قائمة في ظل نظام المحاصصة الطائفية-القومية. ورغم أن حسم ملف الحكومة قد يبدو خطوة تقنية، فإن الرسالة التي يحملها الطرح تتجاوز الأسماء إلى السؤال الأهم: أي نموذج سياسي يضمن أن تكون الحكومة انعكاسًا لحق المواطنين لا استمرارًا لتقاسم السلطة؟