كيف دعمت مصر إفريقيا بالتعليم من عهد عبد الناصر إلى السيسي

يستعرض هذا التقرير دور التعليم المصري كأداة استراتيجية للقوة الناعمة في القارة الإفريقية، متتبعاً تطور هذه العلاقات من الحقبة الناصرية وحتى عهد الرئيس السيسي.
مثل التعليم على مدار العقود الماضية أحد أهم أدوات القوة الناعمة المصرية داخل القارة الإفريقية، حيث نجحت القاهرة في بناء علاقات ممتدة مع الشعوب الإفريقية عبر الجامعات والمؤسسات التعليمية والدينية، لتصبح مصر لعقود طويلة واحدة من أبرز الوجهات التعليمية للطلاب الأفارقة.. ولم يكن الدور المصري في إفريقيا قائمًا فقط على العلاقات السياسية أو الدبلوماسية، بل ارتبط بصورة كبيرة ببناء الإنسان الإفريقي وتأهيل الكوادر الشابة التي تولت لاحقًا مناصب قيادية في دول القارة.. ومنذ خمسينيات القرن الماضي، استخدمت مصر التعليم كوسيلة لتعزيز حضورها داخل إفريقيا، خاصة مع تصاعد حركات التحرر الوطني ضد الاستعمار الأوروبي، حيث فتحت الجامعات المصرية أبوابها أمام آلاف الطلاب الأفارقة، وقدمت المنح الدراسية، وأرسلت البعثات التعليمية والخبراء إلى العديد من الدول حديثة الاستقلال.. كما لعب الأزهر الشريف دورًا محوريًا في نشر التعليم الديني الوسطي وتعزيز الروابط الثقافية مع الشعوب الإفريقية.. ومع اختلاف السياسات المصرية من عهد إلى آخر، ظل ملف التعليم حاضرًا في العلاقات المصرية الإفريقية، بداية من المشروع القومي في عهد جمال عبد الناصر، مرورًا بعهد محمد أنور السادات ومحمد حسني مبارك، وصولًا إلى مرحلة استعادة الحضور المصري داخل القارة خلال عهد عبد الفتاح السيسي، التي شهدت توسعًا في التعاون الأكاديمي وبرامج المنح والتدريب.. عهد جمال عبد الناصر (1952 – 1970) شهد عهد جمال عبد الناصر مرحلة هي الأبرز في تاريخ العلاقات المصرية الإفريقية، حيث وضعت القاهرة القارة السمراء ضمن أولوياتها الاستراتيجية، بالتزامن مع تصاعد حركات التحرر الوطني في إفريقيا خلال خمسينيات وستينيات القرن الماضي.. واعتبر عبد الناصر أن التعليم أحد أهم أدوات دعم الدول الإفريقية حديثة الاستقلال، وبناء نفوذ مصري طويل الأمد داخل القارة.. وخلال تلك الفترة، فتحت الجامعات المصرية، وعلى رأسها جامعة القاهرة وجامعة عين شمس وجامعة الإسكندرية، أبوابها أمام آلاف الطلاب الأفارقة، مع تقديم منح مجانية كاملة شملت الدراسة والإقامة والإعاشة.. كما توسع دور الأزهر الشريف في استقبال الطلاب الوافدين من إفريقيا، وإنشاء مدينة البعوث الإسلامية التي أصبحت مركزًا مهمًا للطلاب الأفارقة والآسيويين.. وأرسلت مصر خلال هذه المرحلة بعثات تعليمية ومدرسين وخبراء إلى عدد من الدول الإفريقية، للمساهمة في تأسيس المدارس والمعاهد ونقل الخبرات التعليمية والإدارية.. وأسهمت هذه السياسة في تكوين نخب إفريقية ارتبطت ثقافيًا وتعليميًا بمصر، حيث تولى عدد كبير من خريجي الجامعات المصرية مناصب قيادية داخل دولهم، وهو ما عزز النفوذ المصري داخل إفريقيا لعقود طويلة.. عهد محمد أنور السادات (1970 – 1981) مع وصول محمد أنور السادات إلى الحكم عام 1970، شهدت السياسة الخارجية المصرية تحولات كبيرة، خاصة بعد حرب أكتوبر 1973 وتوقيع اتفاقية السلام مع إسرائيل عام 1979، وهو ما انعكس على طبيعة العلاقات المصرية الإفريقية.. ورغم تراجع الزخم السياسي المصري داخل القارة مقارنة بعهد عبد الناصر، فإن التعاون التعليمي استمر باعتباره أحد الملفات المهمة في العلاقات الثنائية.. وحافظت مصر خلال تلك الفترة على استقبال الطلاب الأفارقة داخل الجامعات المصرية، خاصة في تخصصات الطب والهندسة والزراعة والتربية، كما استمرت برامج المنح الدراسية التي قدمتها الدولة للطلاب الوافدين من دول إفريقيا.. وواصل الأزهر الشريف دوره في إرسال البعثات التعليمية والدعوية إلى عدد من الدول الإفريقية، إضافة إلى استقبال الطلاب داخل معاهده وكلياته.. كما شهد عهد السادات تعاونًا تدريبيًا وفنيًا مع دول حوض النيل، خاصة في مجالات الري والزراعة والتأهيل الفني، حيث نظمت مصر برامج لتدريب المعلمين والمهندسين والكوادر الزراعية.. ورغم انشغال القاهرة بملفات الشرق الأوسط وعملية السلام، بقي التعليم أحد الجسور التي حافظت على استمرار الحضور المصري داخل إفريقيا خلال تلك المرحلة.. عهد محمد حسني مبارك (1981 – 2011) استمرت مصر خلال عهد محمد حسني مبارك في الحفاظ على حضورها التعليمي داخل إفريقيا، من خلال استقبال الطلاب الأفارقة وتقديم المنح الدراسية وبرامج التدريب الفني.. وشهدت تلك المرحلة توسعًا في نشاط الصندوق المصري للتعاون الفني مع إفريقيا، الذي نظم برامج تدريبية للكوادر الإفريقية في مجالات التعليم والصحة والزراعة والإدارة الحكومية.. كما وقعت الجامعات المصرية اتفاقيات تعاون مع عدد من الجامعات الإفريقية لتبادل الخبرات والأساتذة والبرامج البحثية، فيما واصل الأزهر الشريف دوره التاريخي في إفريقيا عبر استقبال الطلاب وإرسال القوافل التعليمية والدعوية إلى دول القارة، خاصة في غرب وشرق إفريقيا.. لكن العلاقات المصرية الإفريقية شهدت خلال جزء كبير من عهد مبارك حالة من الفتور السياسي، خاصة بعد محاولة اغتياله في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا عام 1995، وهو ما أدى إلى تراجع الحضور السياسي المصري داخل إفريقيا لفترة طويلة.. ورغم ذلك، حافظت المؤسسات التعليمية المصرية على وجودها داخل القارة، وظلت الجامعات المصرية وجهة رئيسية للطلاب الأفارقة، خاصة في مجالات الطب والهندسة والدراسات الإسلامية.. عهد عبد الفتاح السيسي (2014 – حتى الآن) شهدت العلاقات المصرية الإفريقية خلال عهد عبد الفتاح السيسي عودة قوية للاهتمام بالقارة السمراء، حيث تبنت الدولة المصرية استراتيجية شاملة لتعزيز التعاون مع إفريقيا سياسيًا واقتصاديًا وتعليميًا.. واعتبرت القاهرة أن التعليم وبناء القدرات من أهم أدوات استعادة النفوذ المصري داخل القارة.. وخلال السنوات الأخيرة، توسعت مصر في تقديم المنح الدراسية للطلاب الأفارقة داخل الجامعات المصرية، مع دعم برامج التعاون البحثي والأكاديمي بين الجامعات المصرية ونظيراتها الإفريقية.. كما أطلقت الدولة مبادرات عديدة، أبرزها “منحة ناصر للقيادة الدولية”، وبرامج تدريب وتأهيل الشباب الإفريقي، إضافة إلى دعم الوكالة المصرية للشراكة من أجل التنمية.. وفي الوقت نفسه، واصل الأزهر الشريف دوره في إفريقيا من خلال إرسال القوافل التعليمية والدعوية، والتوسع في المنح المقدمة للطلاب الوافدين من دول القارة.. كما أعلنت وزارة التعليم العالي زيادة أعداد الطلاب الأفارقة الدارسين في الجامعات المصرية، في إطار خطة تحويل مصر إلى مركز إقليمي للتعليم العالي في إفريقيا والشرق الأوسط.. ويرى خبراء أن عودة مصر إلى إفريقيا في عهد السيسي اعتمدت بصورة كبيرة على القوة الناعمة، خاصة التعليم والتدريب وبناء الإنسان، باعتبارها أدوات طويلة الأمد لتعزيز العلاقات مع الشعوب الإفريقية وترسيخ الحضور المصري داخل القارة السمراء.
مصر, إفريقيا, التعليم, القوة الناعمة, الجامعات المصرية, منح دراسية, العلاقات الإفريقية