حيدر مكي الكناني: بين الحرب واللّا وتحوّل معنى الفرحة

تأملات حيدر مكي الكناني تقرأ الحرب بوصفها مساحة تبتلع البشر، وتعيد ترتيب قيمة الفرحة والصلاة في زمن تتشظى فيه المعاني.
تبدو كلمات حيدر مكي الكناني وكأنها تمشي على حافة بين “الحرب” و“اللّا”، حيث تتداخل الأرض المبللة بالرصاص مع فرحة مؤجلة لا تأتي إلا نادرًا.
القراءة الأولى لنصه تقود إلى عالم لغوي شديد القسوة: الأرض “تتوسّم برصاص وفرحة”، كأن المكان نفسه لا يملك إلا ثنائية واحدة؛ ألمٌ حاضر وفرحٌ مؤجل.. ومن بين هذه الثنائية يظهر سؤال الكاتب بنبرة تتحدّى السكون: دع الفرحة تقبل، في وقت تتشح فيه الأمهات السوداء بالحيرة والخوف.. ليست مجرد صور شعرية، بل محاولة لوضع اليد على آلية الألم حين يصبح قدرًا يوميًا، وحين تتشكل الأحزان على هيئة طقوس عائلية.
في مواضع أخرى، يقترب النص من اعترافات موجعة عن الإنسان الذي يعيش تحت ثقل الحرب.. تتكرر فكرة “استشهدنا” و“حزن وُلد معنا”، وكأن الاستشهاد ليس حدثًا منفصلًا بل حالة مستمرة تلتهم الجسد والمعنى.. وحين يصف الكاتب أن “الفرحة أفيون الفقراء”، فهو لا يقولها كعبارة عابرة؛ بل كتشخيص لواقع اجتماعي، حيث تُترك للفئات الأضعف لحظة الارتياح كتعويض مؤقت، مقابل عالم لا يمنحهم ضمانًا ولا أمانًا.
الحرب لا تكتفي بالموت… بل تلاحق المعنى
اللافت أن النص لا يختزل الحرب في الدم فقط، بل يذهب إلى ما هو أخطر: تشظّي الأحلام. يقول إن أحلامه “تأويل لنص مفترض”، كأن المستقبل يُكتب للناس من قبل حدثٍ قاسٍ، ثم يُطلب منهم التصديق به أو التكيف معه. هكذا تتحول الرغبة في الفهم إلى نوع من الدفاع؛ تأويل الأحلام يصبح محاولة لاحتواء العجز.
ومن هنا، تستحضر عبارة “أول لحن يتيم” لحظة خافتة وسط ضجيج أكبر. يبدو اللحن اليتيم مثل إشارة إلى أن هناك شيئًا ما يحاول أن يولد، لكنه لا يجد مساحة كافية لينمو. تلك الومضة لا تنفي الحرب، لكنها تمنح القارئ ممرًا صغيرًا للخروج من دوامة المعنى الجاهز.
الفرحة والصلاة… ترتيب مختلف للنجاة
وسط خطاب الحرب واللّا، يضع الكاتب “الصلاة” في مواجهة الفرحة بوصفها مثالًا للروح حين تسمو.. الفكرة هنا ليست مفاضلة عاطفية فقط، بل إعادة تعريف للأولوية: ليس كل ما يشبه الفرح هو فرحٌ حقيقي قادر على إنقاذ الإنسان.. لذلك يتحدث النص عن “قداس شفاه تبتسم من العطش والحزن”، وعن ابتسامات لا تأتي من وفرة، بل من مقاومة داخل الألم نفسه.
هذه النقلة تؤثر لأنها تمنح القارئ إطارًا عمليًا: كيف يمكن للإنسان أن يظل إنسانًا حين تُسلب منه شروط الحياة؟ الكاتب يدفعك للتعامل مع “الحزن البعيد” لا باعتباره نهاية ثابتة، بل كمرحلة يمكن أن تُفضي إلى “خلاص جديد”. وفي قلب هذا المسار يطرح نداء واضحًا: لا تقول “لا” للفرحة حين تُقبل.
لماذا يهمنا هذا النص الآن؟
يظهر نص حيدر مكي الكناني وكأنه يسأل سؤالًا عامًا: ماذا نفعل حين تصبح الفرحة نادرة؟ في الحياة الواقعية، قد تُختزل الفرحة في زمن الأزمات إلى ما يمكن استعادته بسرعة: ضحكة عابرة، رسالة من قريب، لحظة هدوء لا تُشترى ولا تُضمن.. لكن عندما تتكرر الصدمة، تتحول الفرحة إلى شيء معلق، كأنها وعدٌ لا يملك من يفي به.
هنا تأتي قوة النص: لأنه لا يبرر الألم، ولا يكتفي بالبكاء عليه. بل يحاول أن يحرّك داخل القارئ “مساحة قرار”؛ قرار أن تمنح الحياة فرصة صغيرة. وقد تكون هذه النقطة بالذات هي الأكثر حساسية: الكاتب يدرك أن القسوة قد تسرق اللغة، ومع ذلك يصرّ على مخاطبة الإنسان بقدرة على اختيار طقس داخلي مختلف.
ومن زاوية تحليلية، يمكن فهم “بين الحرب واللّا” كتشريح للمرحلة التي يعيشها المجتمع حين يتعود الناس على الاستثناء.. حين تصبح الحرب خلفية دائمة، يصبح السؤال عن المعنى أكثر إلحاحًا من السؤال عن النجاة الجسدية فقط.. لذلك يقترح النص شكلًا من النجاة الروحية، لا يلغي الفرح، لكنه يضعه تحت شرط الوعي: أن لا نستهلكه كمسكن، بل نمنحه مكانه الصحيح جنبًا إلى جنب مع الصلاة والصدق الداخلي.
في نهاية القراءة، تتردد الدعوة بصيغة أقل تنظيرًا وأكثر إلحاحًا: حاول أن تَكون “تلك الصدفة”.. معنى ذلك أن الفرحة لا تُمنح دائمًا من الخارج، وقد تأتي كقدرة شخصية على إعادة تسمية اللحظة، واختيار موقفٍ ضد التبلد.. وفي عالم تتناسل فيه عبارة الحرب واللّا، قد يكون الاختيار الفردي هو الفرق بين أن يعيش الإنسان على الهامش… أو أن يثبت وجوده بلمعة إنسانية واحدة.