تحيي الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، برئاسة قداسة البابا تواضروس الثاني، بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية، ذكرى نياحة القديس الأنبا أبيب، العابد المجاهد وصديق القديس الأنبا أبلو، الذي ارتبط اسمه بمسيرة روحية عنوانها الزهد والتقشف والتعلق بالفضيلة، بعدما اختار طريق الرهبنة وترك ملذات العالم ليتفرغ للنسك والعبادة.
وتحتفظ السنكسارات الكنسية بسيرة عطرة للقديس الأنبا أبيب، الذي جمعته وشائج صداقة روحية متينة بالأنبا أبلو منذ بواسير شبابهما. وقد انطلق الاثنان، مدفوعين بالشوق العميق لحياة الرهبنة، نحو أحد الأديرة ليبدآ رحلة جهاد روحي مشتركة وممارسة للفضائل، حتى غدت سيرتهما نموذجا للحياة المرضية في الدوائر النسكية.
وتعود جذور هذه المسيرة إلى مدينة أخميم، حيث ولد الأنبا أبلو لأبوين تقيين هما أماني وإيسي، عُرفا بمحبتهما للغرباء وعيشهما للتقوى رغم تأخر الإنجاب. وتروي السيرة أن والدة أبلو رأت رؤيا لشجرة غرسها كائن نوراني في منزلهما وأثمرت ثمارا متبقية للحياة الأبدية، وهو الحلم ذاته الذي رافق الزوجين, مما دفعهما لمضاعفة أصوامهم واقتصار طعامهما على الخبز والملح، إلى أن وُلد طفلهما أبللو الذي تربى على العلوم اللاهوتية والنسك.
وعقب شبابه، التقى أبللو بصديقه الروحي أبيب، ليتخذا معا قرارهما المصيرى بالرهبنة والانطلاق نحو الدير. وقد توفي الأنبا أبيب في الخامس والعشرين من شهر بابه، مخلفا إرثا من الجهاد الروحي، بينما استمر رفيق دربه الأنبا أبلو في مسيرته الرهبانية منتقلا إلى جبل أبلوج، حيث التف حوله خلق كثير من الرهبان الذين تلقوا عنه دروس مخافة الله وإرشاد الروح.
وحرص الأنبا أبلو طوال حياته على إحياء ذكرى صديقه الراحل أبيب تفعيلا للآية القائلة إن “الصديق يكون لذكر أبدي”، وظل يذكره بوفاء عميق. وقد امتدت حياة الأنبا أبلو طويلا بعد رحيل رفيقه، فعاصر القديس الأنبا مقاريوس الكبير الذي أرسل إليه رسالة تعزية وتعليم روحي، في وقت أظهر فيه أبلو كرامة روحية حين تنبأ بوصول الرسالة قبل تسلمها.
وتظل سيرة الأنبا أبيب حاضرة بقوة في الذاكرة الكنسية، شاهداً على نموذج فريد للرفقة الروحية الصادقة التي تجازوزت حدود الموت، ليظل ذكره مقرونا بالبركة والقداسة عبر الأجيال.
