تمكن فريق بحثي في جامعة ماربورج الألمانية من رصد آثار لمواد نباتية مرتبطة بنبات الصبار داخل جمجمة مومياء مصرية يعود تاريخها إلى 2700 عام، في كشف يوثق للمرة الأولى استخدام هذه المادة ضمن المكونات التي وظفها المصريون القدماء في عمليات التحنيط.
وأظهرت التحليلات أن الآثار نفسها تتطابق مع مكونات عقار تاريخي كان يُباع في الصيدليات الأوروبية والعربية لقرون طويلة تحت اسم «الموميا المصرية الحقيقية»، والذي كان يُستخلص من المومياوات ويُستخدم بوصفه علاجاً شاملاً لمختلف الأمراض والإصابات.
وعلى مر العصور، طوّر المصريون القدماء تقنيات جنائزية بالغة التعقيد والتنوع، ولم تكن هناك طريقة واحدة ثابتة للتحنيط. ولا يزال علماء الآثار يعكفون على دراسة آلاف القطع الأثرية والنصوص القديمة لفهم هذه الطقوس بعمق، في وقت يعود فيه شغف البشر بالمومياوات إلى قرون طويلة سبقت ازدهار علم المصريات الحديث في أوروبا.
وفي السياق التاريخي لتطور العلاجات المستخلصة، يُرجح الباحثون أن التاريخ الطبي المعقد للعقاقير المعروفة إجمالاً باسم «موميا» نشأ نتيجة خطأ في الترجمة حدث خلال القرن الثاني عشر. ففي ذلك الوقت، كان الصيادلة الفرس يستعملون مادة راتنجية سوداء تُدعى «موميا» لمعلاج الجروح، وقام المترجمون الذين نقلوا النصوص إلى اللاتينية بالخلط بينها وبين المواد الداكنة المستخدمة في التحنيط الفرعوني.
هذا الخلط اللفظي أدى تدريجياً إلى نشوء شبكة تجارية واسعة استوردت بقايا المومياوات المطحونة لبيعها في الصيدليات كعلاج شامل ومقوٍ جنسي لقرون عديدة.
وقد وثق علماء الآثار عبر الأبحاث السابقة العديد من المكونات التي دخلت في صناعة مواد التحنيط، والتي شملت مصادر معدنية وحيوانية ونباتية متنوعة، مثل القار والراتنجات المستخلصة من الأشجار الصنوبرية والزيوت والدهون وشمع النحل والبيتومين الطبيعي، فضلاً عن مواد نباتية نادرة ومحلية كراتنجات الدامار والإليمي.
ولتعميق الفهم العلمي لهذه الممارسات، أجرى فريق جامعة ماربورج تحليلات حديثة على 24 قطعة أثرية وتاريخية محفوظة في مؤسسات متعددة، تضمنت جمجمة مصرية محنطة ترجع إلى القرن الثامن قبل الميلاد، إضافة إلى عينة تاريخية من مادة «الموميا» تعود إلى القرن الثامن عشر ومحفوظة في متحف الصيدلة بمدينة هايدلبرغ الألمانية.
ونُشرت نتائج هذه الدراسة في دورية «وقائع الأكاديمية الوطنية للعلوم»، مقدمة بذلك أول دليل جزيئي على احتواء المواد المرتبطة بالتحنيط على مكونات مستخلصة مباشرة من نبات الصبار.
وأوضحت الدكتورة تانيا بوميرينينغ، إحدى المشاركات في الدراسة ومديرة معهد تاريخ الصيدلة والطب بجامعة ماربورج، أن الكشف عن وجود الصبار في مادة «الموميا» يحمل دلالة بالغة الأهمية؛ نظراً لأن العديد من الباحثين كانوا يفترضون سابقاً أن مؤلفي العصور الوسطى استمدوا وصفاتهم الدوائية لتحضير «الموميا» من نصوص توراتية بحتة، ليأتي هذا الاكتشاف الجزيئي ويثبت الارتباط المباشر بالتقاليد التحنيطية المصرية.