أظهرت دراسة علمية حديثة أن مركبًا مستخلصًا من نبات تقليدي يمكن أن يمثل أداة فعالة في تعزيز كفاءة بعض أدوية السرطان، وذلك عبر تعطيل الآليات الحيوية التي تعتمد عليها الخلايا السرطانية لمقاومة العلاج. ويسلط هذا الاكتشاف الضوء على إمكانية التغلب على إحدى أبرز العقبات التي تعرقل نجاح العلاجات الدوائية للأورام.
أجريت الدراسة بواسطة فريق بحثي في مركز جونز هوبكنز كيمل للسرطان، ونُشرت نتائجها في مجلة Nature Communications العلمية البارزة. وركز الباحثون على مركب “تريبتوليد” المعروف علمياً باسم Triptolide، وهو مستخلص نباتي يُستمد من نبتة “ثلاثية الجنيحات ويلفوردي” التي تشتهر بـ “كرمة الرعد”. وبحسب النتائج، يتمتع هذا المركب بقدرة خاصة على تعطيل إنزيم يُعرف بـ DCTPP1، وهو الإنزيم الذي تستخدمه الخلايا السرطانية لتدمير الصورة النشطة لبعض الأدوية الحيوية قبل أن تتمكن من تأدية وظيفتها العلاجية.
أوضحت التجربة المعملية أن المزج بين مركب “تريبتوليد” ودواء “ديسيتابين” المخصص لمكافحة الأورام يرفع بصورة ملحوظة من قدرة الأخير على التأثير في النشاط الجيني للخلايا الخبيثة والقضاء عليها. ويتحقق ذلك عبر منع إنزيم DCTPP1 من تدمير المادة الفعالة للدواء قبل اندماجها الفعلي في الحمض النووي للخلية المستهدفة. وتكمن الخطورة الأصلية لهذا الإنزيم في أن ارتفاع مستوياته داخل الخلايا يرتبط ارتباطاً وثيقاً بنشوء مقاومة ضد مثبطات إنزيم “ميثيل ترانسفيراز الحمض النووي” المتاحة علاجياً.
تعتمد عملية مثيلة الحمض النووي بشكل طبيعي على تنظيم نشاط الجينات عبر تشغيلها أو إيقافها عند الحاجة. غير أن الخلايا السرطانية تلجأ إلى استغلال هذه العملية الحيوية لإسكات الجينات المسؤولة عن كبح ونمو الأورام، مما يمنحها القدرة على الانقسام والتكاثر بشكل غير منضبط. وتستهدف أدوية مثل “ديسيتابين” و”أزاسيتيدين” هذه الآلية بالذات، وقد أثبتت كفاءة ملحوظة في معالجة بعض أنواع سرطانات الدم مثل اللوكيميا ومتلازمات خلل التنسج النقوي. ورغم ذلك، تظل فعالية هذه الأدوية محدودة للغاية عند التعامل مع الأورام الصلبة بسبب قدرة الخلايا على تطوير آليات دفاعية ومقاومة للعلاج.
كشفت الاختبارات التي أُجريت على النماذج الحيوانية وخلايا المختبر أن إضافة مركب “تريبتوليد” إلى جانب دواء “ديسيتابين” تعظم التأثيرات المضادة للأورام وتساعد في استعادة حساسية الخلايا السرطانية تجاه العلاج الدوائي. ويرى الباحثون أن هذا الاكتشاف يمثل خطوة متقدمة نحو تذليل العقبات التي تقيد عمل الأدوية السرطانية.
على الرغم من الطابع الواعد لهذه النتائج، شدد الباحثون على أن الأبحاث لا تزال في مراحلها المبكرة قبل السريرية. وتتطلب هذه المرحلة مزيداً من الدراسات المعملية والسريرية الموسعة لتقييم مدى سلامة هذا النهج العلاجي وفعاليته الحقيقية لدى البشر، وذلك قبل إقراره رسمياً كخيار علاجي معتمد لمرضى السرطان.