Bahrain News

من إسطنبول: البحرين تُصدّر رواية الضحية وتُخفي تورّطها العسكري

نقلت البحرين ملف خلافاتها مع طهران إلى منصة الاتحاد البرلماني الدولي في إسطنبول، في خطوة بدت وكأنها محاولة لإعادة صياغة المشهد السياسي الإقليمي أمام المجتمع الدولي.

خلال أعمال الدورة الـ152 للاتحاد في إسطنبول، صعد رئيس مجلس النواب البحريني، أحمد المسلم، إلى المنصة موجهاً انتقادات لاذعة لإيران.. وقد اتخذت الكلمة طابعاً هجومياً، حيث ركز المسؤول البحريني على وصف الهجمات التي تستهدف دول الخليج بأنها اعتداءات غير مبررة، مستشهداً بقرارات أممية ومحاولاً إضفاء صبغة ‘المظلومية’ على الموقف الرسمي لبلاده، في وقت تتقاطع فيه هذه التصريحات مع توترات إقليمية واسعة النطاق.

لم تمر هذه الكلمة دون رد فعل قوي، حيث احتج ممثل الجمهورية الإيرانية على ما وصفه بـ’الهراء’، مطالباً بحق الرد.. وعندما أُتيحت له الفرصة، لم يكتفِ المندوب الإيراني بالنفي، بل وجه اتهامات مباشرة للبحرين، معتبراً أن مشاركتها في تسهيل العمليات العسكرية الأمريكية عبر قواعدها العسكرية جعل منها شريكاً في استهداف البنية التحتية والمصالح الإيرانية على مدار سنوات طويلة، مشدداً على أن هذه القواعد ليست سوى أدوات ضغط إقليمي تخدم أجندات واشنطن وحلفائها.

تأتي هذه المواجهة في إسطنبول كجزء من سلسلة تحركات دبلوماسية بحرينية مستمرة، حيث سعى نائب رئيس مجلس الشورى جمال فخرو أيضاً للرد على الانتقادات الإيرانية، تزامناً مع إرسال البعثة الدائمة للبحرين في نيويورك خطابات رسمية تهدف إلى دحض المزاعم الإيرانية.. ويبدو أن المنامة عازمة على تكريس سردية ‘العدوان الغاشم’ التي تتبناها إعلامياً، متجاهلة بذلك التساؤلات التي يطرحها مراقبون حول كلفة هذه السياسة في ظل تحولات موازين القوى في المنطقة.

إن التمعن في هذا المشهد السياسي يكشف عن فجوة كبيرة بين الرواية الرسمية وبين الحقائق الميدانية المرتبطة بوجود القواعد العسكرية الأجنبية.. فبينما تحاول الدولة تقديم نفسها كطرف متضرر في المعادلة الإقليمية، تظل الحقائق المتعلقة بتقديم التسهيلات اللوجستية للعمليات العسكرية الأجنبية حاضرة بقوة في ذهن الطرف الإيراني، مما يجعل من تبادل الاتهامات في المحافل الدولية مجرد غيض من فيض من الصراع الاستراتيجي.

بعيداً عن الأروقة الدبلوماسية، يطرح هذا التصعيد تساؤلات حول جدوى الاستمرار في مسار استعداء الجيران في توقيت إقليمي حرج.. فالمنطقة اليوم تعيش حالة من التحول، حيث بدأت العديد من الأطراف في إعادة تقييم علاقاتها الأمنية والسياسية لضمان الاستقرار.. في المقابل، تختار البحرين، وفقاً لتوجهاتها الحالية، التمسك بخطاب الصدام، وهو خيار يحمل في طياته مخاطر أمنية واقتصادية مباشرة، خاصة أن أي تصعيد ميداني قد يضع البلاد في واجهة التداعيات العسكرية المباشرة.

إن الإصرار على لعب دور ‘الضحية’ في المحافل الدولية قد ينجح في استمالة بعض الحلفاء، لكنه لا يغير من واقع الأمر شيئاً أمام المعطيات الاستراتيجية.. فالتورط في القضايا الأمنية الإقليمية وتحول الأراضي الوطنية إلى منصات للعمليات العسكرية يفرض واقعاً جديداً يتطلب حكمة في التعامل، بعيداً عن سياسة الهروب للأمام التي تتبناها السلطات البحرينية في محاولة لتغطية تكاليف الانحياز التام للسياسات الأمريكية في المنطقة.

Bahrain News

من إسطنبول: البحرين تُصدّر رواية الضحية وتُخفي تورّطها

خلال دورة للاتحاد البرلماني الدولي في إسطنبول، هاجم رئيس مجلس النواب البحريني أحمد المسلم إيران وقدمها كطرف معتدٍ، فيما ردت طهران باتهامات تتعلق بمشاركة البحرين في استهدافها.

رواية الضحية البحرين – شهدت إسطنبول خلال اجتماعات الدورة الـ152 للاتحاد البرلماني الدولي سجالًا حادًا بين البحرين وإيران، أعاد طرح قصة «الضحية» بطبعات جديدة.

وفي كواليس سياسية أكثر منها برلمانية، صعد رئيس مجلس النواب البحريني أحمد المسلم إلى المنصة بمرافعة تركز على تحميل إيران مسؤولية «اعتداءات» وتهويل تداعياتها على دول الخليج والأردن.. وبحسب مجريات الجلسة، استعاد المسلم صياغات استندت إلى تقرير/موقف من مجلس حقوق الإنسان في جنيف، ليقدّم الرسالة على أنها إدانة لهجمات إيرانية «غير مبررة»، ثم أعاد تكرار العبارة ذاتها أكثر من مرة، في محاولة لوضع الإطار كله داخل حسابات حقوق الإنسان والاتهام المسبق.

ومع تصاعد الجدل، قوبلت المرافعة باعتراض ممثل الجمهورية الإيرانية، الذي احتج على ما اعتبره «تحريفًا» لوقائع العدوان، وطلب حق الرد. لكن الرد لم يتوقف عند نبرة الغضب؛ بل نقل النقاش بسرعة من مربع «إدانة الهجمات» إلى اتهام مباشر لطرف بحري بالمسؤولية، مؤكدًا أن الجريمة—بحسب روايته—لا تُنسب لإيران وحدها.

وفي لحظة تحوّلت فيها الجلسة من استعراض اتهامي إلى مواجهة اتهامية، أكد ممثل إيران أن التصريحات البحرينية تُظهر مندوبها كأنه يتحدث بمنطق قريب من «عميل» أميركي أو إسرائيلي، قبل أن يطرح سؤالًا محددًا: لماذا توجد القاعدة الأمريكية في البحرين؟ وحسب ما ورد في الرد، أشار إلى أن منح البحرين أراضيها ومرافق مطاراتها ومساكن وفنادق للولايات المتحدة صار—في منطق طهران—مدخلًا للعمليات التي استهدفت أهدافًا في إيران، بما في ذلك المدني والعسكري والصناعي والاقتصادي.

ثم ذهب الرد الإيراني إلى أبعد من الاتهام السياسي، ليصوّر علاقة طويلة بين الطرفين زمن الحرب؛ إذ تحدث عن مشاركة البحرين في تسيير الحرب عبر تسهيل الاستخدام، ومضى إلى القول إن اشتراكها في مسار «الحرب العدوانية الأمريكية» ظهر حين تم استخدام القواعد.. وبدا واضحًا أن النقاش لم يعد حول جملة أو جملتين في خطاب حقوقي، بل حول سردية حرب كاملة: من سهّل؟ من دعم؟ ومن استفاد سياسيًا بعد ذلك؟

البحرين بين خطاب الحقوق و«قصة المظلومية»

ما جرى في إسطنبول يعكس أسلوبًا معروفًا في الخطاب الرسمي: تقديم الذات كطرف يتلقى الاعتداء ثم نقل الثقل إلى منصة دولية لطلب التعاطف.. هذا النمط لا يقتصر على البحرين وحدها في المنطقة، لكنه يصبح أكثر لفتًا عندما تتزامن المرافعة مع تساؤلات دقيقة تضع خصمًا بعينه أمام مسؤوليات يراها المتابعون «قاسية وغير قابلة للفصل» عن سياق الحرب.

بالنسبة للبحرين، يبدو أن اختيار الاتحاد البرلماني الدولي كمسرح للرسالة يأتي لتوسيع مساحة التأثير، لأن البرلمانات—حتى في غرفها النقاشية—تتحول سريعًا إلى قناة للروايات.. وبذلك، تكون عبارة «الاعتداءات الإيرانية الآثمة» ليست مجرد موقف؛ بل محاولة لإعادة ترتيب الأولويات: من يركز عليه الحاضر الدولي؟ ومن يُطلب منه تفسير ما حدث؟

ردّ طهران: من الاعتداء إلى الاتهام بالعلاقة

رد إيران، كما ظهر على المنصة، جاء بمقاربة مغايرة: بدل التركيز على ما جرى من هجمات فعلية فقط، أعاد السؤال إلى الجغرافيا السياسية والتمكين.. سأل الرد عن القواعد الأمريكية ودورها، واعتبر أن الوقائع لا تنفصل عن وجود بنية تمكّن عمليات استهداف.. كذلك، اتجه إلى تفكيك صورة «الضحية» عبر وضع البحرين داخل سلسلة مسؤوليات.

ما الذي يغيّره هذا السجال على الأرض؟

في العادة، مثل هذه السجالات لا تغيّر الوقائع العسكرية فورًا، لكنها تغيّر المناخ النفسي والسياسي: تتسع مساحات الشك، وتتعقد آليات الحوار، وتتحول تصريحات المسؤولين إلى مادة تلتقطها دوائر عديدة—محليًا وإقليميًا—لتفسير الحرب وما بعدها.. على المستوى الشعبي، قد ينعكس ذلك على نظرة الناس للعلاقات مع الجوار، لأن لغة «العدوان» و«التحريف» و«التورط» كلها مفردات تشحن السرديات وتقلل فرص التهدئة.

ولأن الحديث هنا عن حرب وانعكاساتها الممتدة، فإن أي طرف يعتقد أنه يحمل رواية أقرب للحقيقة يسعى دائمًا لتثبيتها في مساحة دولية، بينما الطرف الآخر يحاول كسرها عبر إظهار تناقضاتها مع ما يعتبره «وقائع التمكين».. هذا هو قلب الأزمة في إسطنبول: من يملك حق تعريف الماضي؟ وكيف يمكن تحويل الاتهامات إلى أثر سياسي قابل للترسيخ؟

ويضاف إلى ذلك أن هناك مسارًا رسميًا موازيا لما قيل داخل الجلسة؛ إذ أرسلَت البعثة الدائمة لمملكة البحرين لدى الأمم المتحدة في نيويورك خطابًا يركز على دحض الادعاءات الإيرانية.. كما شارك نائب رئيس مجلس الشورى جمال فخرو في الرد خلال اجتماعات إسطنبول نفسها، ما يشير إلى أن الأمر لم يُترك لتلقائية الجلسة، بل جرى التعامل معه كملف يحتاج متابعة.

في النهاية، تبدو الصورة، وفق مجريات الأحداث في إسطنبول، أكثر من مجرد خلاف كلامي: هي محاولة لفرض سردية من جهة، ومقابلتها بسردية مضادة من جهة أخرى.. وبين رواية «الضحية» التي تبرز البحرين كمن يتعرض لهجوم، ورواية الاتهام التي تردها طهران بتحويل السؤال إلى التمكين والشراكة، تقف العلاقة بين الطرفين على حافة مسار أشد حدّة—وكلما طالت التصريحات، زادت صعوبة العودة إلى لغة أقل توترًا.

Back to top button