منير السباح: زغردى يا ام الجدايل وطقوس الفرح والحزن

قصيدة منير السباح تفتح باباً لفهم الزغردة عند النساء في فلسطين: كيف تتبدّل النبرة بين فرح مشوب ووجع عميق، ولماذا تصبح الزغردة لغة لمشاعر مكبوتة.
في فلسطين، ليست الزغردة مجرد صوت يعلو في المناسبات؛ أحياناً تكون ترمومتر للمشاعر، وأحياناً اعترافاً صامتاً بما يتعذر البوح به.
حين كتب الشاعر منير السباح قصيدته «زغردى يا أم الجدايل»، بدا كأنه يستحضر تراثه وهو يقترب من الوجع، لا ليجمله، بل ليكشف تركيبه الداخلي.. في النص، يمتزج الفرح بالحزن بطريقة تبدو مألوفة في الحالة الفلسطينية: إن فرح أحدٌ يُستقبل الدعاء معه سريعاً، كأن المتعة نفسها بحاجة إلى ضمان كي لا تُتهم بالغرابة أو بالخروج عن السائد.. ومن هنا يفهم السباح أن المفارقة حاضرة دائماً: ما نسميه فرحاً لا يخلو من ظلّ ما، وما نسميه حداداً لا يخلو من سؤال عن معنى الاستمرار.
اللافت في قراءة السباح هو أن الزغردة ليست محايدة.. هو يفرّق بين زغردة الفرح وزغاريد الشهادة، فيضع الأولى في خانة النغمة الراقصة المنسجمة، ويصف الثانية بأنها مشبعة بالحزن والشجن؛ كأن الصوت يحمل إرهاق اللحظة ووجعها، وكأن الحنجرة تُخرج ما لا يحتمل الصمت.. هذا التمييز ينسحب على الفكرة الكبرى في القصيدة: الزغردة عند النساء تتحول إلى وسيلة تعبير حين تُحاصر التعبيرات الأخرى بقيود اجتماعية أو دينية تمنع الاندفاع الحركي والصوتي جهراً—من رقصٍ وغناء علنيين، إلى اللطم والندب وشقّ الثوب وعفر التراب على الرأس.
في السياق الفلسطيني، يبدو منطق القيود واضحاً.. حين تُصادر المساحة العامة للتعبير، تتحول التفاصيل إلى لغات بديلة: صوت قصير، نبرة محددة، توقيت معيّن، وربما حتى طريقة ربط الشعر أو الإمساس بالجسد.. السباح يلمّح إلى أن المجتمع لا يكتفي بأن يمنع؛ بل يفرض نمطاً للتعبير يتوافق مع “المقبول”، لذلك تصبح الزغردة—بالفرح أو بالحزن—قناة عاطفية تُطلق ما تكدّس داخل الصدر.
ومن هنا تتخذ «أم الجدايل» مكاناً مركزياً في النص.. فهي ليست شخصاً فقط بقدر ما هي صورة لحالة: امرأة قررت الامتناع عن الزينة والفرحة، وربط الشعر وتعصيبَه إلى “مدى بعيد” حداداً.. هذا الامتناع—كما يقدّمه الشاعر—يعطي للحزن معنى منظّماً، لا مجرد انفعال عابر.. وفي الحياة اليومية، نرى كيف تتجسد قرارات الحداد في ملامح كثيرة: شكل الشعر، طريقة اللباس، إيقاع الحركة، وحتى المسافة التي توضع بين المرأة وبين مظاهر الاحتفال.. المفارقة المؤلمة أن المجتمع قد يقرأ هذه العلامات على أنها “سكوت”، بينما تكون في الحقيقة استمراراً لنوع من الكلام الداخلي.
والقصيدة لا تقف عند وصف الفرق بين الزغردتين فقط؛ بل تمتد لتحدي طريقة فهم الآخرين لمشاعر النساء.. السباح يلمّح إلى أن من لا “يفك شفرة” الوجدان—أي من لا يقرأ الإشارات في سياقها—قد يَستغرب من موقف أم أو زوجة أو أخت شهيد حين تخرج منها زغاريد عند سماع خبر المقتل.. قراءة من هذا النوع تُسقط المعنى، فتبدو الزغردة تناقضاً مع الفقد، بينما هي في الواقع محاولة لخلق مساحة تعبير داخل حدود مسموحة.. الزغرودة هنا ليست إنكاراً للحزن، بل شكل من أشكال تفريغه.
أما المكنون الأعمق في نص السباح، فيتمثل في فكرة أن الوجع لا يبقى نظرياً.. هناك “موجات انفجارية” يرددها اللسان قد تقرب من قاع القلب وتمزقه لولا أن تُفرّغ في الخارج.. بمعنى آخر: الصوت يصبح صمام أمان.. حين تُكتم المشاعر بالكامل، تتراكم حتى تصبح عبئاً على الجسد والروح؛ وحين تتحول إلى زغردة، ولو كانت حادة أو حزينة، تتحقق وظيفة مزدوجة: تفريغ داخلي، وإعلان خارجي—لكن ضمن اللغة المتاحة.
تزداد أهمية هذا المعنى عندما نفكر في أثره على الإنسان في لحظات الفقد.. عائلات كثيرة تعيش صراعاً دائماً بين ما تُريد قوله وما يُسمح لها به، بين رغبة في الانكسار وبين ضرورة الحفاظ على صورة “الوجدان” وفق المعايير.. في مثل هذه الظروف، يصبح الصوت المدروس—زغرودة أو نبرة محددة—طريقة للقول: نحن هنا، نحن نوجع، ومع ذلك لا نستطيع أن نعيش الحزن بالطريقة التي يراها الآخرون طبيعية.
وفي ختام القصيدة، تأتي دعوة مباشرة لكنها تبدو متزنة: إن جاءت الفرحة فليكتمل معناها دون لومٍ يلاحقه الشك، وإن داهم الحزن فليأخذ حقه دون كبت قاسٍ.. السباح يطرح فكرة “الساعة وساعة” كميزان: فرح له زمن، وحزن له زمن، وبينهما لا ينبغي اختلاق ذنبٍ لمشاعر إنسانية.. الرسالة في جوهرها إنسانية: المشاعر ليست خطيئة في حد ذاتها، والخوف من إظهارها لا يقل ألماً عن إظهارها.. لذلك، يظل صوت الزغردة—مهما اختلفت نبرته—نافذة نحو فهم الذات في وجه القيود، وعلامة على أن التعبير حين يَضيق، يبتكر البشر طرقاً للبقاء.