Iraq News

سعد السعدي: دمج أمن العراق والخليج ضرورة لتحقيق توازن إقليمي مستدام

يحلل الكاتب سعد عزت السعدي ضرورة دمج العراق في المنظومة الأمنية الخليجية كخيار استراتيجي لا غنى عنه لإعادة صياغة التوازن الإقليمي وتحويل المنطقة من ساحة تنازع إلى جسر للتنمية والاستقرار.

لم يعد ممكناً التعامل مع أمن الخليج العربي بوصفه منظومة منفصلة عن العراق، لا جغرافياً ولا سياسياً ولا اقتصادياً.. فالعراق يشكّل حلقة مفصلية بين المشرق العربي والخليج، وأي اختلال في بنيته الداخلية أو في موقعه الإقليمي ينعكس مباشرة على استقرار الخليج ككل، مما يجعل من “أمن العراق والخليج” معادلة متصلة لا تقبل التجزئة في ظل التحديات الراهنة.

الجغرافيا السياسية: العراق كمركز ثقل إقليمي

يمتلك العراق موقعاً فريداً يمنحه صفة الدولة المحورية؛ فهو لا يمثل مجرد جارٍ لدول الخليج، بل هو امتداد طبيعي للمنظومة الخليجية بفضل منفذه الاستراتيجي على الخليج عبر البصرة.. إن هذا الموقع الاستراتيجي يجعله نقطة ربط حيوية بين آسيا وأوروبا.. وتؤكد الرؤى الاستراتيجية أن استقرار العراق يعني تأميناً مباشراً لخطوط الطاقة والممرات البحرية الخليجية، بينما يمثل أي اضطراب أمني في جنوبه ثغرة قد تُستغل لتهديد الأمن القومي العربي ككل.. لم يعد المنطق السائد هو بناء “حواجز” أو مناطق عازلة، بل الانتقال إلى عقلية “الشبكات” الأمنية المتداخلة التي تضمن حماية المصالح المشتركة من التهديدات العابرة للحدود.

إن دمج العراق في منظومة الأمن الخليجي يفتح الباب أمام تحويله من مصدر قلق محتمل إلى شريك استراتيجي فاعل.. هذا التحول لا يعني بالضرورة انخراطاً عسكرياً تقليدياً بقدر ما يعني تعزيز تبادل المعلومات الاستخبارية وتنسيق الجهود لمواجهة الجماعات غير النظامية.. ومن منظور أوسع، فإن هذا الدمج يمنح العراق هامشاً أكبر من الاستقلالية ويقلل من اعتماده على محاور إقليمية متنافسة، مما يخدم بدوره استقرار دول الخليج التي تطمح لتقليل التهديدات غير المتناظرة في بيئتها المباشرة.

التنمية الاقتصادية كصمام أمان

تعد الشراكة الاقتصادية الرافعة الحقيقية للأمن، فالتشابك المالي والتجاري يخلق حالة من الاعتماد المتبادل التي ترفع كلفة أي صراع محتمل وتجعل السلام خياراً أكثر ربحية.. إن امتلاك العراق للموارد والأسواق، إلى جانب الفوائض المالية والخبرات التنموية في الخليج، يوفر أرضية خصبة لمشاريع الربط الكهربائي والموانئ والسكك الحديدية.. إن هذه المشاريع ليست مجرد صفقات تجارية، بل هي حبال ربط استراتيجية تجعل من أمن واستقرار كل طرف مصلحة حيوية للطرف الآخر، مما يعزز من متانة النظام الإقليمي في مواجهة العواصف السياسية الدولية.

في ظل التحديات المعاصرة، يبرز التساؤل حول مدى واقعية هذا التقارب.. إن وجود عقبات مثل التباين في الأولويات أو إرث عدم الثقة التاريخي لا ينبغي أن يكون سبباً للجمود، بل دافعاً لخارطة طريق تدريجية.. يمكن البدء بحوار أمني دائم، وإنشاء مراكز إقليمية مشتركة لمكافحة الإرهاب، وتوقيع اتفاقيات استثمارية كبرى في البنية التحتية.. إن دمج أمن العراق بالخليج هو ضرورة استراتيجية تفرضها الجغرافيا، حيث يبقى الهدف الأسمى هو تحويل العراق من “ساحة تنازع” إلى “جسر توازن” يعزز من سيادة الدول ويحمي المنطقة من التدخلات الخارجية.