حامد الضبياني: العروبة شرف لا يُعتذر عنه

يرى حامد الضبياني أن العروبة أخلاق ومعنى قبل أن تكون نسبًا، وأن الخلل ليس في الانتماء بل في قراءة الواقع. رسالة: الانتماء يُصلح لا يُنكر.
تتحول كلمات قليلة أحيانًا إلى مرآة: تعكس ما نختبئ خلفه من ارتباك، وتكشف ما نحتاجه من معنى.
يرى حامد الضبياني أن العروبة ليست “بطاقة هوية” تُخفى عند ضيق المسافات، ولا لافتة موسمية تُرفع ثم تُطوى مع انطفاء الحماسة.. العروبة—بحسب طرحه—امتداد عميق في الروح، تتشكل فيها القيم قبل الأسماء، وتُصاغ الكرامة قبل الحدود.. في هذا التصور، الانتماء ليس دفاعًا عاطفيًا ولا شعارات تُردَّد، بل طريقة في وزن النفس: ميزانها الشرف لا الربح، ووفاؤها للإنسان لا لمصالح عابرة.
يضيف الضبياني أن بعض أبناء العروبة في زمن مضطرب صاروا يقفون منها موقف “المتهم من نفسه”، كأن الانتماء خطيئة، وكأن الجذور عبء ينبغي التنصل منه بدل الارتكاز عليه.. ومن هنا تبدأ—في رأيه—المعضلة: لا في العروبة ذاتها، بل في “المرآة” التي يختارها الفرد ليرى بها واقعه.. فحين يغلب التخلف واقعًا ما، قد يظن بعض الناس أن التخلف صفة في الهوية، لا نتيجة لظروف ومعايير وتراكمات يمكن مراجعتها.. وحين يعجز الإنسان عن النهوض، يبحث عن شماعة يعلّق عليها كسله، فيلعن الانتماء بدل أن يفهمه، ويهرب منه بدل أن يصححه.
ولأن القراءة السطحية تختلط فيها الأشياء، يفرّق الضبياني بين العروبة كقيمة وبين ما آل إليه حال بعض أبنائها.. فهو يرى أن من يخلط بين المرض والجسد ثم يحاكم الجسد بوصفه “المشكلة” يكرر أخطاء في التفكير قبل أن يكررها في الأحكام.. التخلف، في هذه الرؤية، ليس قدرًا مكتوبًا على هوية، بل نتيجة انقطاع عن قيمها؛ انقطاع عن توازن قديم صنعه التاريخ بين القوة والعدل، بين الكبرياء والتواضع، بين الحرية والمسؤولية.. وحين يتراجع هذا التوازن، يظهر الواقع المشوه، فيتحول إلى دليل يُساء استخدامه ضد الأصل.
العروبة—بحسب الكاتب—ليست مشروع ضعف، بل مشروع معنى.. معنى الإنسان الذي يُثبت عند الشدائد لا عند الرخاء، والذي يُقاس بقدرته على العطاء لا بكثرة الكلام.. لذلك لم تكن العروبة، كما يصفها، مجرد ملامح نسبية، بل أخلاق قبل نسب، ومكارم قبل خطاب.. كرم غير مكتوب، نجدة فريضة بلا نص، وشهامة قانون لا يحتاج سلطة.. هيبة تُحملها الضمائر لا السيوف.
ولأن طرحه لا يقف عند حدود التأمل، يستدعي الضبياني حضورًا أدبيًا يشرح روح المعنى لا تفاصيله.. يورد بيت المتنبي: “إذا غامرت في شرف مروم… فلا تقنع بما دون النجوم”.. ويقرأه لا كمفاخرة، بل كفلسفة كاملة في رفض الدون، وفي أن الكرامة ليست ترفًا يُختار، بل قدرًا يُصنع بالإرادة.. في مثل هذا الربط، تبدو العروبة كقيمة نزوع دائم نحو الأعلى: ليس اعتذارًا عن الذات، بل صناعة للذات بما تستحق.
ومن الزاوية الأكثر واقعية في حديثه، ينتقد الضبياني الذين يروّجون لأن الانتماء أصل تخلف.. ويرى أن هؤلاء قد يكونون ضحايا لقراءة تاريخية ناقصة أو لواقع مشوّه أُلصق على الأصل.. الأخطر—في نظره—أن المشكلة لا تُحل بالتنكر، لأن الهويات لا تُشفى بالإنكار.. الإصلاح يتطلب شجاعة: أن ننتقد الواقع لا أن نلعن الأصل، وأن نمتلك القدرة على مراجعة الأخطاء دون هدم البيت فوق رؤوسنا.. هذا الفرق بين النقد والإنكار هو ما يجعل الانتماء “فعلاً” لا شعارًا.
في زمن تتشظى فيه الهويات وتختلط فيه المعايير، تتحول دعوة الضبياني إلى سؤال يومي: ماذا نفعل بهذه الكرامة حين نواجه الإخفاق؟ هل نستخدمها كبوصلة إصلاح أم نتركها تتحول إلى عبء نفسي؟ العروبة عنده ليست ضد الحداثة، بل ضد التفاهة؛ وليست ضد التقدم، بل ضد الذوبان.. المعنى هنا عملي: يمكن للإنسان أن يتقدم ويطوّر دون أن يفرغ ذاته من قيمها، وأن يجرب الحداثة دون أن يفقد هوية الضمير.
ويؤكد أن المفارقة قد تكون مؤلمة حين يرى المرء من يعتذر عن عروبته بلغةٍ عربية، ويهاجم جذوره بأدواتٍ صاغتها تلك الجذور.. هذا لا يعني منع النقد—بل على العكس—إنه يدعو إلى إصلاح الوعي قبل إصلاح الموقف.. فالثورة على التخلف لا تكون بتمزيق الأصل، بل بتقوية الإنسان الذي يحمل الأصل معه.. وفي النهاية، يشير الضبياني إلى أن الانتماء الحقيقي لا يُقدّس الأخطاء، لكنه يمنح صاحبه فرصة الإصلاح دون التخلي عن المعنى.
خلاصة ما يطرحه حامد الضبياني أن العروبة ليست تهمة لأن الكرامة لا تُدان، ولأن الأخلاق لا تُحاكم، ولأن تاريخًا كُتب بالشهامة لا يُمحى بسوء حاضر.. هي مسؤولية—نعم—لكنها أيضًا فرصة: أن نكون امتدادًا لقيم عظيمة لا مجرد ظلال باهتة لها.. وفي وقت تتغير فيه الواجهات بسرعة، يبقى السؤال: هل نبحث عن جناح يرفعنا أم عن ذريعة تُسقطنا؟