اقتصاد وأعمال

استكشاف اليورانيوم يُعيد تشكيل سلاسل المعادن الحرجة في السعودية

مشاهد من منشآت تعدينية ومعالجة المعادن في السعودية

تتجاوز ثروة اليورانيوم والمعادن الحرجة في المملكة العربية السعودية كونها مجرد موارد جيولوجية كامنة، لتصبح جزءاً محورياً من استراتيجية أوسع لإعادة صياغة سلاسل القيمة الصناعية وتوجيه تخصيص رأس المال داخل الاقتصاد الوطني. وفي هذا السياق، يرى خبير الاستثمار سامر شقير أن التحركات السعودية نحو التنقيب عن اليورانيوم وتطوير الموارد الاستراتيجية تجسد انتقالاً مدروساً من نموذج الاقتصاد القائم على استخراج الموارد فحسب، إلى اقتصاد يركز على تصنيع مدخلات الطاقة والصناعة وخلق قيمة مضافة محلية مستدامة.

تتزامن هذه التطورات مع تأكيدات رسمية لوزير الطاقة بأن المملكة مستمرة بخطى ثابتة في استكشاف موارد اليورانيوم وتقييم الجدوى الاقتصادية الكامنة خلفها، بالتوازي مع جهود ترسيخ مزيج طاقة أكثر تنوعاً يشمل الاستخدامات السلمية للطاقة النووية. وتمتد هذه الرؤية لتشمل تطوير سلسلة قيمة متكاملة تبدأ من مراحل الاستكشاف الأولى ولا تنتهي عند المعالجة وإنتاج الكعكة الصفراء، بما يعزز مكانة قطاع التعدين كركيزة أساسية للنمو طويل الأجل وفق مستهدفات رؤية السعودية 2030.

يشير شقير إلى أن الرسالة الجوهرية الموجهة للمستثمر المؤسسي لا ترتكز على مجرد حجم الاكتشافات الجيولوجية، بل تتجاوزها إلى قدرة المملكة على تحويل تلك الموارد الخام إلى صناعات حقيقية قابلة للتمويل والحوكمة والتصدير بفاعلية. ويؤكد أن الأسواق المؤسسية تمنح عوائدها لمن يثبت كفاءة في تحويل المورد إلى منتج مطابق للمواصفات الدولية وتحت مظلة أطر امتثال صارمة، مشدداً على أن العائد الحقيقي في قطاع المعادن الحرجة يكمن في حلقات المعالجة والتصنيع وليس عند نقطة الحفر الأولى.

تستند الاستراتيجية السعودية في هذا الإمار إلى ثلاثة مسارات رئيسية متكاملة؛ يتمثل المسار الأول في استخلاص اليورانيوم المصاحب لصناعة الأسمدة الفوسفاتية، مستفيدة من مكانتها الإقليمية في هذا القطاع لإنتاج اليورانيوم كمنتج ثانوي لحمض الفوسفوريك في المنشآت الشمالية، مع وجود تعاون قائم مع مجموعة أورانو الفرنسية لدراسة الأبعاد الاقتصادية والتقنية لهذا المسار.

أما المسار الثاني فيتمحور حول مشروع جبل صايد الواقع في منطقة المدينة المنورة، حيث أظهرت الدراسات التقديرية وجود موارد تقدر بنحو 114 مليون طن من الخام، والتي تحمل تركيزات مرتفعة من العناصر الأرضية النادرة، وخصوصاً الثقيلة منها، بجانب مؤشرات واعدة لوجود اليورانيوم. وهنا يحذر شقير من الخلط بين الحجم الإجمالي للخ الخام والكميات القابلة للاستخراج اقتصادياً، موضحاً أن الارتقاء بالموارد التقديرية لتصبح احتياطيات قابلة للإنتاج التجاري يتطلب المزيد من التقييمات والدراسات الفنية الهندسية.

وفيما يتعلق بالمسار الثالث، فيتركز على مسح الغطاء الرسوبي لاستهداف خامات اليورانيوم التقليدية، وهو توجه يوسع قاعدة الموارد المحتملة للمملكة، غير أنه يظل مساراً أبعد مدى من حيث التدفقات النقدية وأكثر ارتباطاً برأس المال الاستثماري طويل الأجل.

تكتسب هذه التحولات التعدينية زخماً إضافياً مع تنامي الطلب العالمي على مصادر الكهرباء المستقرة، مدفوعاً بالتوسع المتسارع في برامج الطاقة النووية، والاهتمام المتزايد بأمن إمدادات الوقود النووي والمعادن الحرجة. ومع الطفرة الكبيرة التي تقودها تقنيات الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات والصناعات كثيفة استهلاك الطاقة، تبرز الحاجة الملحة لتأمين شبكات كهرباء مستقرة وسلاسل توريد آمنة للمعادن.

ويوضح شقير أن اليورانيوم يتميز عن غيره من السلع التعدينية بخضوعه الصارم لأطر تنظيمية ورقابية دولية مرتبطة بالقطاع النووي، مما يجعل مسار الانتقال من مرحلة الاكتشاف إلى الإنتاج التجاري رحلة طويلة تتطلب وضوحاً تاماً في التصنيف الجيولوجي ودراسات الجدوى وعمليات الترخيص وبناء الشراكات الدولية الموثوقة.

لا تقتصر الفرص الاستثمارية المرتبطة بهذا التحول على عمليات التعدين التقليدية، بل تتعداها لتشمل منظومة واسعة من الأنشطة المساندة؛ مثل أعمال الحفر، والمختبرات، والخدمات الهندسية، وحلول المياه، والنقل، والمعالجة الكيميائية، والبرمجيات الصناعية، وتقنيات الفصل والاستخلاص، وصولاً إلى أنظمة المراقبة البيئية.

في المقابل، تظل المخاطر محاور أساسية في معادلة القرار الاستثماري، وتتقدمها المخاطر التقنية والتنظيمية والسوقية. فالتراكيزات الواعدة لا تشكل بالضرورة احتياطيات تجارية مؤكدة، وتعتمد اقتصاديات استخلاص اليورانيوم والمعادن النادرة بشكل حاسم على كفاءة المعالجة ومعدلات الاستخلاص وأسعار الأسواق العالمية وقدرة المشاريع على تطوير بنية تحتية تنافسية.

يتابع المستثمرون المؤسسيون ثلاثة مؤشرات حاسمة خلال الفترة المقبلة، تتمثل في مدى نجاح تحويل الموارد التقديرية إلى فئات قابلة للتدقيق، ووضوح اقتصاديات الاستخلاص والمعالجة، وترجمة الشراكات الدولية إلى عقود فعلية وتمويلات ومشاريع قابلة للتنفيذ على أرض الواقع.

Maher Salah

أتابع أخبار الزراعة والغذاء والأسواق وأسعار السلع الأساسية. يهمني ما يتعلق بالإنتاج المحلي وسلاسل الإمداد وتأثير حركة الأسعار في المستهلك.