قد يستيقظ بعض الأشخاص أحيانًا وهم يشعرون بأن كلمات معينة تبدو مألوفة لديهم، على الرغم من غياب أي تذكر واضح لمصدرها أو متى سمعوها، سواء كانت جزءًا من حديث جانبي دار بالقرب منهم أو مقطعًا صوتيًا تردد خلال ساعات النوم. وتفتح هذه الحالة الباب أمام تساؤلات بحثية واسعة بشأن مدى قدرة العقل على التقاط المعطيات الصوتية المحيطة والاحتفاظ ببعض آثارها عقب الاستيقاظ.
وفي محاولة لاستكشاف هذه الظاهرة، أجرى باحثان في جامعة باريس للعلوم والآداب دراسة علمية متخصصة لاختبار مدى قدرة الأفراد على تذكر كلمات تعرضوا لها أثناء النوم، ومقارنة طبيعة تلك الذكريات بما يتم تسجيله خلال حالات اليقظة التامة. شارك في التجربة 22 متطوعًا ناطقًا بالفرنسية تتراوح أعمارهم بين 20 و28 عامًا، حيث جرى ربطهم بأجهزة تخطيط كهربية الدماغ لمتابعة النشاط العصبي وتحديد مراحل النوم بدقة طوال فترة الاختبارات.
بدأت التجربة بقيام المشاركين، وهم في حالة يقظة، بالاستماع إلى قائمة متنوعة تضم كلمات فرنسية صحيحة وأخرى مختلقة شبيهة بها. وطلب الباحثون منهم الضغط على زر محدد بكل يد للتمييز بين الكلمات الحقيقية وغير الحقيقية، وهي خطوة استهدفت قياس سرعة الاستجابة وجعل عملية حفظ الكلمات أكثر تحديًا. وبعد استكمال هذه المرحلة، أُعيد الاختبار بينما كان المشاركون يغفون تدريجيًا على كراسٍ مريحة داخل غرفة مظلمة، مما يمكن الفريق البحثي من رصد الاستجابات العصبية خلال المراحل الأولى للنوم ومقارنتها بنتائج اليقظة.
وعقب استيقاظ المشاركين، خضع الجميع لاختبار ذاكرة شامل تضمن كلمات عُرضت عليهم سابقًا أثناء اليقظة، وأخرى استمعوا إليها خلال النوم، إضافة إلى مفردات جديدة تمامًا لم يسبق لهم التعرف عليها. وهدف هذا الاختبار إلى قياس قدرتهم على تمييز الكلمات المسموعة حتى في غياب حالة الوعي الكامل.
وأظهرت النتائج أن المشاركين واجهوا صعوبات ملحوظة في التفريق بوعي كامل بين الكلمات التي تلقوها خلال النوم وتلك الجديدة كليًا. كما اتسمت ردودهم بانخفاض مستوى الثقة عند الاعتقاد بسماع كلمة معينة أثناء النوم، رغم تعذر استرجاعها بوضوح.
وتشير هذه المؤشرات إلى احتمال احتفاظ الدماغ بآثار طفيفة ومحدودة للأصوات المستقبلة خلال النوم، حتى وإن عجز الإنسان عن استحضارها كذكريات صريحة أو تحديد موقفتها الزمنية. ومع ذلك، يؤكد الباحثون أن هذه المعطيات لا تعني قدرة الإنسان على الإنصات الفعلي للمحادثات المحيطة وفهمها أو تخزينها بالطريقة ذاتها التي تتم في اليقظة؛ فمجرد الشعور بالألفة تجاه كلمة معينة لا يعتبر دليلاً قاطعًا على وجود ذكرى واعية، كما أن الاعتماد على تجارب محدودة النطاق يظل غير كافٍ لتعميم النتائج على كافة البشر ومختلف مراحل النوم العميق.