صحة وطب

مكملات الكركم تهدد سلامة الكبد.. متى تصبح الجرعات خطراً حقيقياً؟

مساحيق الكركم الأصفر والمكملات الغذائية المستخلصة منه

يُعرف الكركم بلونه الأصفر المميز واستخدامه الواسع في الطهي، كما يحظى باهتمام متزايد بفضل احتوائه على مركبات ذات خصائص مضادة للأكسدة والالتهابات. ورغم أمان إدراجه ضمن النظام الغذائي اليومي بكميات معتادة، فإن تناول مستخلصاته المركزة بجرعات مرتفعة قد يحمل مخاطر صحية جسيمة، من أبرزها إصابة الكبد، وهو ما يفرض ضرورة التفرقة الجاسمة بين استخدامه كتوابل وبين تناوله في صورة مكملات غذائية.

وأظهرت بيانات طبية رصدتها شبكة إصابات الكبد الناجمة عن الأدوية، وجود حالات موثقة لإصابات كبدية ارتبطت مباشِرة باستخدام مكملات الكركم والكركمين، وهو المركب النشط الأساسي في النبات. ورغم أن هذه الإصابات لا تُعد شائعة بالمقارنة مع الانتشار الواسع لاستهلاك المكملات، فإن بعض الحالات سُجلت بصورة شديدة الخطورة، مما يجعل مراقبة الجرعات وملاحظة الأعراض المحتملة أمراً لا غنى عنه لكل مستخدم.

وتبرز الفارق الجوهري بين مسحوق الكركم التقليدي الذي يضاف إلى الأطعمة، وبين المكملات الغذائية التي تعتمد على مستخلصات مركزة من الكركمين. فالكركم يُستخرج نباتياً من جذور الكركم الطويل، بينما لا يمثل الكركمين سوى نحو 3% فقط من تكوين الجذر الخام. وتحتوي بعض المكملات التجارية على تركيزات عالية للغاية من الكركمين، يضاف إليها أحياناً مستخلص البيبيرين الموجود في الفلفل الأسود أو مكونات دهنية لرفع معدل امتصاصه داخل الجسم.

ولا تعني زيادة الامتصاص ميزة مطلقة في جميع الأحوال، إذ تؤدي أحياناً إلى تدفق كميات كبيرة من الكركمين نحو مجرى الدم، مما يرفع احتمالات ظهور آثار جانبية عكسية لدى قطاع من المستخدمين. علاوة على ذلك، تتفاوت معايير الجودة بين المنتجات المتوافرة في الأسواق، وقد تتعرض بعض الأنواع لتلوث عرضي بمعادن ثقيلة كالرصاص والزرنيخ، مما يضاعف المخاطر الصحية ويبرز أهمية اقتناء المنتجات الخضعة لاختبارات جودة مستقلة وصارمة.

وفيما يخص الحالات المرصودة، سجلت شبكة إصابات الكبد 10 حالات مرتبطة بمكملات الكركم من بين نحو 2392 حالة إصابة كبدية مشتبه بها خضعت للتقييم على مدى سنوات طويلة امتدت من 2004 وحتى 2022. وتراوحت تلك الإصابات بين التهابات الكبد وحالات الركود الصفراوي التي تتراجع فيها قدرة العصارة الصفراوية على التدفق بصورة طبيعية. وقد تماثل معظم المصابين للشفاء التام فور التوقف عن تناول المكمل، بينما استدعت بعض الحالات الأخرى دخول المستشفى لتلقي العلاج، مع تسجيل حالة وفاة واحدة على الأقل مرتبطة بفشل كبدي تام.

وأوضحت البيانات السريرية أن أعراض الإصابة الكبدية ظهرت لدى المصابين بعد استخدام المكملات لفترة بلغت في المتوسط 86 يوماً. وتصدرت أعراض اليرقان وآلام البطن والغثيان قائمة العلامات المتكررة بين الحالات المتضررة. ويُنصح بعدم تجاهل هذه المؤشرات نهائياً، سيما إذا تزامنت مع إدخال مكمل غذائي جديد إلى الروتين اليومي، وعند الاشتباه بأي تضرر كבدي يجب التوقف الفوري عن المكمل ومراجعة الطبيب للحصول على تقييم عاجل، خصوصاً عند ملاحظة اصفرار الجلد وبياض العينين أو تغير ملحوظ في لون البول.

وعلى صعيد الجرعات، تختلف المقادير المستخدمة في الأبحاث السريرية باختلاف طبيعة المستحضر ودرجة تركيزه، مما يتعذر معه اعتماد جرعة موحدة تناسب كافة الأفراد. وتشير التقارير العلمية إلى أن العديد من الدراسات اعتمدت جرعات يومية تراوحت بين 500 و2000 ملليجرام من مستحضرات الكركم، كما اعتُبرت بعض التركيبات التقليدية آمنة عند استهلاك نحو 1500 ملليجرام يومياً لمدة تصل إلى ثلاثة أشهر. في المقابل، لا تعني هذه الأرقام أن المكملات آمنة بالمطلق لجميع الأشخاص، حيث تُحذر الأدبيات الطبية من تجاوز الجرعات المرتفعة جداً للكركمين التي تتخطى 8 جرامات يومياً لتفادي المخاطر المحتملة.

وفي المقابل، يظل الكركم المستخدم في إعداد الأطعمة آمناً بدرجة كبيرة عند تناوله بالكميات الغذائية المعتادة. وتفيد البيانات بأن استهلاك ما يصل إلى جرامين يومياً ضمن الأغذية والمشروبات يعتبر آمناً في الغالب، مع ضرورة مراعاة تباين الاحتياجات والظروف الصحية الفردية من شخص لآخر.

وتحتاج فئات محددة إلى أقصى درجات الحذر والامتناع عن تناول مكملات الكركم دون استشارة طبية مسبقة، نظراً لارتفاع احتمالية تعرضهم لمضاعفات كبدية. وتضم هذه الفئات المرضى الذين يعانون أمراضاً كبدية سابقة كالتهابات الكبد أو انسداد القنوات الصفراوية، ومن لديهم استعدادات وراثية تزيد من حساسيتهم تجاه إصابات الكبد المرتبطة بالعشبة، إلى جانب النساء الحوامل والمرضعات أو الراغبات في الإنجاب، والأشخاص المنتظمين في تناول أدوية أو أعشاب تؤثر على وظائف الكبد مثل الجرعات العالية من الباراسيتامول. كما تشمل التحذيرات من يتعارض الكركم مع أوليفتهم الدوائية، إذ يمتلك الكركمين القدرة على التفاعل مع أدوية متعددة وتغيير مستوياتها في الجسم، مما يحتم إبلاغ الطبيب المعالج أو الصيدلي بكافة المكملات المستهلكة قبل الشروع في أي نظام جديد.

Riham Magdy

مهتمة بالتغذية والرياضة ونمط الحياة الصحي والمعلومات الطبية. أتابع الموضوعات الصحية التي تقدم معرفة موثوقة، وأفضل التمييز الواضح بين البحث العلمي والرأي الشخصي.