وصفت واقعة العثور على جثمان سيدة داخل شقتها بعد مرور نحو ثلاث سنوات على وفاتها دون أن يشعر أحد بغيابها بأنها مأساة إنسانية تجاوزت كونها خبراً عابراً، لتتحول إلى جرس إنذار يستوجب وقفة دينية واجتماعية ونفسية جادة أمام تراجع طبيعة العلاقات الإنسانية والتواصل الاجتماعي داخل المجتمع المصري.
وفي هذا السياق، أكد الدكتور أسامة قابيل، من علماء الأزهر الشريف، أن الحادثة تفتح الباب واسعاً أمام تساؤلات ملحة حول مفاهيم صلة الرحم، والتراحم بين الجيران، والمسؤولية الاجتماعية تجاه الفئات التي تعيش بمفردها، مشدداً على أن الشريعة الإسلامية لم تقصر الإحسان على الشعائر والعبادات التعبدية فحسب، بل جعلته سلوكاً يومياً عملياً يظهر جلياً في السؤال عن الآخرين، وتفقد أحوالهم، والشعور بآلامهم واحتياجاتهم اليومية.
وأوضح قابيل أن من أبرز وأخطر الظواهر التي تكشفها مثل هذه الحوادث المؤلمة هي العزلة الاجتماعية، حيث قد يعيش الإنسان محاطاً بكتل خرسانية ومبنى مزدحم بالسكان، لكنه يفتقر تماماً إلى أبسط صور التواصل الوجداني والإنساني. ولفت إلى أن الوحدة الحقيقية لا تقتصر على غياب الأشخاص والأقارب، بل تتمثل في غياب الاهتمام والسؤال والاحتواء، ليبقى الإنسان محاطاً بآلاف البشر بينما لا يجد من يلاحظ غيابه المفاجئ أو يطمئن على أحواله الصحية والمعيشية.
وأضاف العالم الأزهري أن المسؤولية المجتمعية هنا لا تتوقف عند حدود الأسرة وحدها، محذراً من التسرع في توجيه الاتهامات إلى أفراد معينين دون الإلمام الكامل بملابسات الواقعة وظروفها، ومشيراً إلى أن المسؤولية تمتد لتشمل ثقافة المجتمع بأكمله ومدى اهتمامه بكبار السن، والأشخاص الذين يعيشون بمفردهم، والجيران الذين قد تمر عليهم أشهر دون أن يتبادلوا حتى التحية أو السؤال عن أحوال بعضهم البعض.
واستشهد في حديثه بربط المولى عز وجل بين أركان العبادة وحسن المعاملة والإحسان إلى الناس في القرآن الكريم، موضحاً أن التدين الحقيقي لا يمكن أن ينفصل بحال عن الرحمة والمسؤولية الفعلية تجاه الإنسان أينما كان. وشدد على ضرورة ألا تتحول مثل هذه المآساة الإنسانية إلى مادة مجردة للفضول أو التساؤل العابر عن صلة القرابة أو المكانة الاجتماعية.
وختم بالتأكيد على أن السؤال الأهم ليس معرفة هوية المتوفاة أو من تتبع من أقارب، بل كيف يمكن لإنسان أن يغيب عن الحياة ومحيطه الاجتماعي طوال تلك السنوات الطويلة دون أن يفتقده أحد، مشدداً على أن قيمة أي مجتمع لا تُقاس فقط بما يحققه من مظاهر التقدم المادي والعمراني، بل بقدرته الحقيقية على حماية الإنسان من شبح الوحدة والإهمال والشعور به قبل أن يتحول غيابه إلى مأساة مدوية.
