شهدت متاحف الأقصر للفن المصري القديم ومتحف التحنيط على كورنيش النيل بمدينة الأقصر، خلال الأسابيع الأخيرة، حزمة واسعة من الفعاليات والبرامج التثقيفية والتدريبية التي استهدفت طلبة المدارس والمعاهد الأزهرية وخريجي كليات ترميم الآثار. وتهدف هذه الأنشطة إلى إعداد جيل جديد مزود بأفكار مبتكرة في مجالات صيانة التراث، فضلاً عن تقريب التاريخ المصري القديم إلى أذهان النشء عبر أساليب تفاعلية حديثة.
وفي هذا السياق، أطلق القسم التعليمي بمتحف الأقصر للفن المصري القديم برنامجاً تخصصياً لصيانة وترميم الماكيتات والنماذج والقطع غير الأثرية المستخدمة في الأنشطة والورش التعليمية المخصصة للأطفال. ويجري تنفيذ هذا البرنامج بإشراف قسم الترميم بالمتحف، وبمشاركة واسعة من طلاب وخريجي كليات الترميم الذين يُعرفون بـ “أصدقاء المتحف”، انطلاقاً من حرص المؤسسة على تعزيز دورها التعليمي وتنمية المهارات التطبيقية للكوادر الشابة.

وتعتمد المرحلة الأولى من البرنامج على تعريف المشاركين بالخطوات العلمية المتبعة في أعمال الترميم بدقة، بدءاً من التسجيل والتوثيق المبدئي للقطع، وفحصها وتشخيص حالتها الراهنة، وإعداد وصف فني مفصل لها، ورصد مظاهر التلف مدعومة توثيقياً بالتصوير الفوتوغرافي، تمهيداً لوضع خطة صيانة متكاملة. يهدف هذا الجانب التطليقي إلى إكساب الخريجين خبرات عملية حقيقية تسهم في الحفاظ على الوسائل التعليمية وضمان استمرارية استخدامها.
ولم تقتصر الجهود على الخريجين فحسب، بل امتدت لتشمل طلبة المدارس عبر سلسلة من الزيارات الميدانية والمحاضرات التفاعلية. وفي هذا الإطار، نظم مسؤولو متحف الأقصر زيارة ميدانية إلى مدرسة وادي الملكات الابتدائية، تضمنت أنشطة استهدفت تعريف الطلاب بالحضارة المصرية القديمة وغرس قيم الانتماء للتراث الوطني.

وقدمت إيمان عبد الخالق، أمين المتحف ومسؤولة قسم التراث الثقافي غير المادي، محاضرة حملت عنوان «السياحة والتراث المصري»، استعرضت خلالها مفاهيم التراث وعلم الآثار والمصريات، وأهمية دراسة التاريخ والحفاظ على مكتسباته. وتخللت المحاضرة عروض لمصورة تراثية تبرز مظاهر الاستمرارية الحضارية منذ مصر القديمة وحتى العصر الحديث، مثل صناعة الفخار وفن التحطيب، إلى جانب التعريف بأبرز رموز الحضارة المصرية عبر أنشطة مبسطة.
من جانبه، نظم القسم التعليمي والتواصل المجتمعي محاضرة قدمتها شيماء عبد الحميد، أمين المتحف، بعنوان «رحلة إلى عالم المتاحف»، هدفت إلى تعريف الطلاب بدور المتحف وأنشطته الثقافية والترفيهية. وتضمن اللقاء نشاطاً تفاعلياً لترسيخ السلوكيات الإيجابية الواجب اتباعها عند زيارة المناطق الأثرية، وتوضيح الممارسات السليمة لحماية الآثار وصون التراث للأجيال القادمة.

وفي موازاة ذلك، استقبل متحف التحنيط على كورنيش النيل بطولات مدرسة الأزهر الشريف في جولة إرشادية وتعليمية داخل قاعة العرض المتحفي. وقدم فريق الأثريين بالمتحف شرحاً وافياً حول تفاصيل عملية التحنيط والأدوات المستخدمة فيها، إلى جانب استعراض مراسم وخطوات دفن الموتى عند المصري القديم.
ويضم متحف التحنيط أكثر من 150 قطعة فرعونية بارزة تشكل سيناريو عرض متكاملاً للمومياوات، والأواني الكانوبية، والحيوانات المقدسة المحنطة، ومواد التحنيط والتمائم، إضافة إلى الأثاث الجنائزي وتمثال الإله أنوبيس والتوابيت وأغطيتها. ومن أبرز المقتنيات التي توقفت عندها الطالبات «سرير التحنيط» المُكتشف مكسوراً لعدة أجزاء في المقبرة رقم 63 بوادي الملوك، والذي يتكون من ثلاث حمالات خشبية منفصلة ملفوفة بالكتان ومزينة برأسي أسد، فضلاً عن وسائد التحنيط المصنوعة من الكتان والمحشوة بالريش والتي عُثر عليها حديثاً.

واختتمت الفعاليات بورشة حكي تفاعلية نظّمها قسم التراث الثقافي غير المادي بالتعاون مع القسم التعليمي بمتحف الأقصر تحت عنوان “قصة اكتشاف حجر رشيد”. وتناولت الورشة قصة العثور على الحجر والمستكشف الذي اكتشفه والخطوط الثلاثة المنقوشة عليه، مع الإشارة إلى وجود إحدى نسخه بالمتحف المصري. وسلطت الورشة الضوء على الدور المحوري لحجر رشيد في فك رموز الكتابة المصرية القديمة وفهم أسرار الحضارة الفرعونية، واختتمت بأنشطة إبداعية شملت كتابة المشاركين لأسمائهم داخل خراطيش ملكية وتلوينها بطرق مبسطة تناسب مختلف الأعمار.
