خليفة أبو شباب حين ينكّل بأدهم العكر القيادي في القسّام

بعد نحو أربعة أشهر من وقف العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، ونحو أسبوعين على دخول خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب للسلام مرحلتها الثانية، وتشكيل “مجلس السلام” برئاسته، إلى جانب لجنة تكنوقراط فلسطينية برئاسة المهندس علي شعث، لا يزال المشهد قاتمًا، ولا يسرّ الغزّيين كثيرًا.
ففي قطاع غزة الذي شهد تدميرًا غير مسبوق، برزت تحديات من نوع مختلف فور الإعلان عن وقف إطلاق النار. ويسعى القائمون على بعض هذه التحديات إلى إشاعة الفوضى في القطاع، ودفعه إلى الاقتتال الأهلي، أو إلى الانتقام القَبَلي على الأقل.
ومن هذه التحديات نشاط مجموعات مسلحة صغيرة مرتبطة بإسرائيل، أنشأت شبكة مصالح خلال العدوان على غزة، ومن شأن التقدّم في تنفيذ خطة ترامب للسلام في غزة أن ينهي دورها ونفوذها.
الدهيني وأزمة المرتبطين بإسرائيل
أزمة هذه المجموعات الصغيرة تكشفها مقاطع مصوّرة بثّها زعيم إحدى هذه المجموعات، وهو يوجّه الإهانات لأحد قادة كتائب عزّ الدين القسّام في مدينة رفح الحدودية مع مصر، ويصفعه، فيما يتوعد حركة المقاومة الإسلامية (حماس) وجناحها العسكري بـ”محاكم تفتيش” على غرار تلك التي جرت في إسبانيا في القرن الخامس عشر ونكّلت بالمسلمين واليهود هناك.
انتشر الفيديو يوم الجمعة الماضي، وفيه يظهر غسّان الدهيني، الذي خلف ياسر أبو شباب (الذي قُتل في ديسمبر/ كانون الأول 2025) في تزعّم ميليشيا صغيرة مرتبطة بإسرائيل، وهو يوجّه الإهانات لأدهم عطا الله العكر، أحد قادة كتائب القسّام في رفح.
والعكر واحد من عشرات مسلحي كتائب القسّام المحتجزين في أنفاق مدينة رفح، ورفضت إسرائيل ضمان مغادرتهم المنطقة سالمين بعد وقف العدوان على غزة.
تكشف الصورة، على الأرجح، انفجار اللاوعي البدائي لدى الجماعات المرتبطة بإسرائيل، ورغبتها الشديدة في الانتقام بأثر رجعي من رجال المقاومة في غزة.
كما تكشف استمرار دورها الوظيفي لدى إسرائيل، رغم أن خطة ترمب وضعت حدًا نهائيًا لهذا الدور، عبر السعي إلى إعادة قطاع غزة إلى ما قبل الإدارات والمؤسسات، سواء كانت تابعة لحماس أو للسلطة الفلسطينية.
وكذلك، فإن الدفع بالحالة الفلسطينية، ولا سيما في قطاع غزة، نحو مرحلة “التجمعات السكانية” التي تُدار إما بنظام المخاتير العثماني (وهو ما رفضه مخاتير وعشائر قطاع غزة مرارًا)، أو بميليشيات صغيرة تعيث خرابًا وفسادًا في القطاع، يحول دون إدارته عبر لجنة التكنوقراط الفلسطينية التي أُعلن عن تشكيلها منتصف يناير/ كانون الثاني الماضي.
غسان الدهيني كان عضوًا سابقًا في جماعة سلفية ذات صلة بتنظيم الدولة – مواقع التواصل
ما بين العري الجسدي والأخلاقي
يظهر الدهيني في الفيديو المتداول، وهو يرتدي زيًا عسكريًا إلى جوار أدهم العكر، وقد جُرّد من ثيابه ويجلس على الأرض.
يكشف عري العكر نحولَه جراء نقص الطعام الذي كان يصله ورجاله خلال تحصّنهم في أحد الأنفاق خلال العدوان الإسرائيلي على غزة، كما يكشف، في المقابل، عريًا أخلاقيًا تتسم به الميليشيات الصغيرة والقليلة التي تعمل لصالح إسرائيل.
فالعكر، بحسب شقيقه نبيل، حافظ على صموده خلال حصار رفح، ولم يغادر أرض المعركة هناك، وكان آخر من تبقّى مع سرية القسّام في “حي الجنينة” خلال العدوان، مؤمّنًا خروج بقية المقاتلين قبل أن يتم استهدافهم بالقصف.
ويظهر العكر في صور قديمة جرى تداولها على مواقع التواصل الاجتماعي، وهو ممتلئ الجسم ببنية قوية.
ووفقًا لشقيقه، فإن الاتصال مع سرية العكر انقطع منذ نحو ثلاثة أشهر، عاش خلالها أدهم العكر وفريقه ظروفًا بالغة الصعوبة، وفقدوا خلالها أكثر من 70% من أوزانهم بسبب نقص الطعام والماء.
أدهم العكر قائد إحدى السرايا في كتائب القسّام قبل اعتقاله – مواقع التواصل
وأعلن الجيش الإسرائيلي في اليوم نفسه الذي بُثّ فيه فيديو الدهيني (الجمعة الماضي) أنه رصد ثمانية مسلحين تابعين لحماس خلال خروجهم من نفق في مدينة رفح.
وقال متحدث باسم الجيش إن سلاح الجو هاجم هؤلاء و”قضى على ثلاثة منهم“، كما نفّذ ضربات أخرى استهدفت المناطق التي لجأ إليها الباقون.
ولا يُعرف ما إذا كان الجيش الإسرائيلي قد اعتقل العكر أولًا أم جماعة الدهيني، لكن بثّ الفيديو يأتي ضمن الأهداف الإسرائيلية، ويُعتقد أن الدهيني سلّم العكر لإسرائيل.
تهديد بمحاكم تفتيش
يقول الدهيني (39 عامًا) في الفيديو للعكر إن اعتقاله رسالة مما سمّاه “جهاز مكافحة الإرهاب” التابع لميليشيا “القوات الشعبية” التي يتزعمها، ومفادها أن “إرهاب” حماس انتهى، على حدّ وصفه، مضيفًا أن جماعته لن تسمح بتخريب جهود السلام، وستتعامل مع حركة حماس على غرار محاكم التفتيش الدينية في إسبانيا في القرون الوسطى.
لكتائب القسام من جهاز مكافحة الإرهاب: إرهابكم خلص. تخريب جهود السلام مش رح يمر. تدخلوا ناس تطلعوا ناس ح نتصدى بكل عنف.
أقسم بالله يا حماس إذا بتظلي على نفس الإسطوانة إلا ما نخلّي فيكم. زي محاكم التفتتيش في إسبانيا، وقد أعذر من أنذر. هيهم (ها هم) بنلقطهم (نقبض عليهم) زي الكلاب.
على أن دلالات “خطاب” الدهيني الحقيقية، والمسكوت عنها، تفيد بعكس ما أراده منه. فرغم الجدل الذي لم ينتهِ منذ عام 2007، الذي سيطرت فيه حركة حماس على قطاع غزة وبدأت بإدارته منفردة، ليس ثمّة تشكيك في “شرعيّة” الحركة.
وسبق للرئيس الفلسطيني محمود عباس أن هدّد مرارًا بإعلان حماس حركة متمردة وغير شرعية، لكنه لم يفعل، وأصرّ في المقابل على أن “أفعالها” لا تمثل الشعب الفلسطيني، قبل أن يتراجع ويؤكد على وحدانية تمثيل منظمة التحرير الفلسطينية للشعب الفلسطيني.
وكانت حماس فازت بالانتخابات التشريعية الفلسطينية في يناير/ كانون الثاني 2006، وفي أعقابها شاركت الحركة في حكومة وحدة وطنية مع حركة فتح، ترأسها القيادي في الحركة إسماعيل هنية، الذي اغتالته إسرائيل في يوليو/ تموز 2024 في العاصمة الإيرانية طهران.
تعتبر حركة حماس، بحكم الأمر الواقع على الأقل، الجهة الوحيدة التي تتمتع بالشرعية في إدارة قطاع غزة. كما أعلنت، قبل وقف العدوان على القطاع، استعدادها لتسليم إدارته إلى لجنة تكنوقراط فلسطينية، وهو ما يعني أن خطاب الدهيني يمنح “جماعته”، وهي ميليشيا صغيرة تتكوّن من بضع مئات من الأفراد صدرت في حق بعضهم أحكام جنائية، سلطة منح الشرعيات في الشأن الفلسطيني، وهي سلطة تقتصر فعليًا على مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية.
جماعة أبو شباب خارج الأطر الفلسطينية
لا تنتمي جماعة أبو شباب، المعروفة باسم “القوات الشعبية”، إلى أيٍّ من الأطر السياسية الفلسطينية المعترف بها رسميًا، رغم أن بعض عناصرها عملوا سابقًا في الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة الفلسطينية، أو انتموا إلى حركة فتح.
وفيما يتعلّق باتهام غسان الدهيني حركةَ حماس بإعاقة جهود السلام ومحاولة تخريبها، فإن هذا الاتهام لا ينطبق على الحركة التي أعلنت التزامها تسليم إدارة قطاع غزة ضمن ترتيبات سياسية واضحة.
أما إشارته إلى “محاكم التفتيش”، فتُعدّ دليلًا على جهلٍ فادح بتاريخ المنطقة، بل بتاريخ الجهة التي يعمل لديها، أي إسرائيل؛ إذ إن محاكم التفتيش الإسبانية استهدفت يهود البلاد ومسلميها على حدّ سواء، في سياق اضطهاد ديني شامل لا يمكن إسقاطه اعتباطًا على الواقع الفلسطيني.
قُتل ياسر أبوب شباب مؤسس القوات الشعبية في ديسمبر الماضي – مواقع التواصل
ونفت حركة فتح، التي يتزعمها الرئيس الفلسطيني، أي صلة لها بالدهيني، ووصفت ما قام به بأنه “خيانة لقيمها وأهدافها“. وجاء في بيان الحركة:
تؤكد حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح) أن المدعو غسان الدهيني لا يمتّ بصلة إلى هذه الحركة العظيمة، ولا يمثّل سوى خيانة لقيمنا وأهدافنا.
إن ما قام به من أعمال مشينة بحق أبناء شعبنا هي بمثابة عار لا يمكن أن يمحى، وستظل وصمة في تاريخ الشعب الفلسطيني.
وشدّد البيان على أن الاحتلال الإسرائيلي لن يوفّر الحماية لمن يتعاون معه من “العقاب الشعبي”، مؤكدًا أن التاريخ أثبت أن مصير العملاء هو السقوط والمحاسبة.
من جهته، وصف “التجمع الوطني للقبائل والعشائر والعائلات الفلسطينية” هجوم الدهيني على القائد القسّامي بأنه “جريمة نكراء” وسلوك همجي لا يمثّل إلا أصحاب النفوس الضعيفة والعقول المأجورة. وقال في بيان له:
إن ما يقوم به المدعو غسان الدهيني من جرائم متلاحقة بحق أبناء شعبنا يعكس حالة الإفلاس الأمني والأخلاقي التي يعيشها، ويدلّ على حالة الرعب التي تحيط به مع انكشاف أوراقه القذرة وعلاقاته المشبوهة.
لا يُعرف الكثير عن الدهيني، سوى عمله السابق في الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة الفلسطينية، وانتمائه إلى تنظيم “جيش الإسلام” المرتبط بتنظيم الدولة.
الدهيني يتعهد بالانتقام من حماس
بعد مقتل ياسر أبو شباب، الذي تزعم ما سُمّي “القوات الشعبية” في ديسمبر/ كانون الأول 2025، خلفه غسان الدهيني، الذي ينحدر، مثل أبو شباب، من قبيلة الترابين، والتي أعلنت تبرّؤها منهما.
وتعهّد الدهيني آنذاك بالانتقام من حركة حماس، التي تتهمه بالتعاون مع إسرائيل، ونهب المساعدات الإنسانية، وجمع معلومات استخبارية عن الأنفاق والمواقع العسكرية.
أقر نتنياهو بدعم مجموعة أبو شباب لمحاربة حماس – مواقع التواصل
وبينما اعتبرت حماس مقتل أبو شباب “المصير الحتمي لكل من خان شعبه ووطنه، ورضي أن يكون أداة في يد الاحتلال“، قالت عشيرة أبو سنيمة إن عددًا من أبنائها سقطوا في اشتباك مع أبو شباب، “ومنهم من أرداه قتيلًا، مسطّرًا بذلك فصلًا جديدًا من الفخر والاعتزاز الفلسطيني“.
ولم يكن أبو شباب معروفًا على نطاق واسع قبل العدوان الإسرائيلي الأخير على قطاع غزة، حين برز اسمه مع تزعم مجموعة مسلحة بدأت بالسطو على شاحنات المساعدات الإنسانية منذ مايو/ أيار 2024.
وكان قبل ذلك معتقلًا في أحد سجون حكومة حماس في قطاع غزة، بتهمة تهريب المخدرات.
وقالت القناة 12 الإسرائيلية العام الماضي إن جهاز “الشاباك” يقف وراء “صناعة” ظاهرة أبو شباب ومجموعته، بهدف إنتاج بديل عسكري في قطاع غزة لمواجهة حماس، مشيرة إلى أن الخطة حظيت بموافقة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، ووزير الأمن يسرائيل كاتس، ورئيس هيئة أركان الجيش.
وأقرّ نتنياهو بذلك في يونيو/ حزيران 2025، قائلًا في تسجيل مصوّر ردًا على تصريح لوزير الأمن السابق أفيغدور ليبرمان:
“ماذا سرّب ليبرمان؟ أنه، بناءً على نصيحة مسؤولين أمنيين، قمنا بتنشيط مجموعة في غزة تعارض حماس؟ ما السيئ في ذلك؟ هذا يخدمنا فقط، وينقذ أرواح جنود إسرائيليين”.
وفقًا لتقارير إعلامية، تنشط عدة ميليشيات صغيرة في قطاع غزة بحماية إسرائيلية، أبرزها:
-
“القوات الشعبية” التي أسسها ياسر أبو شباب، وتنشط في جنوب شرق رفح قرب معبر كرم أبو سالم.
-
مجموعة يقودها رامي حلس، وتنشط في حي الشجاعية شرقي مدينة غزة.
-
مجموعة يقودها أشرف المنسي، وتنشط في شمالي القطاع.
-
مجموعة يقودها حسام الأسطل، وتعمل في خان يونس جنوبي غزة.
وإلى جانب هذه المجموعات، توجد مجموعات أصغر ينتمي أفرادها إلى عائلات وعشائر غزّية، تورّطت في التهريب وأنشطة إجرامية مرتبطة بنهب المساعدات خلال فترة العدوان على غزة.



