قصة البرلمان السوري من زمن الانتداب الفرنسي حتى المرحلة الانتقالية

تُعَدّ سوريا من أولى دول الشرق الأوسط التي عرفت النظام الجمهوري والانتخابات النيابية، وقد شهدت أشكالًا مختلفة من التجارب البرلمانية، من حيث آلية اختيار المجلس، وتركيبة الهيئات التشريعية وصلاحياتها، ودورها في الحياة السياسية.
فقد تمثّل بعضها في جمعيات تأسيسية ومجالس نواب منتخبة تمتّعت باستقلالية وصلاحيات تحفظ توازن السلطات، ومنها مجالس عيّنتها السلطة السياسية مباشرةً أو بصورة غير مباشرة، من دون امتلاك صلاحيات حقيقية، واقتصر دورها على استكمال الشكليات الدستورية ومنح الموافقة الروتينية على سياسات الرئيس وقراراته.
يسلّط هذا المقال الضوء على سيرة البرلمان السوري في أطواره المختلفة، منذ عهد الانتداب الفرنسي وحتى المرحلة الانتقالية الحالية.
أولًا – سوريا الانتدابية (1920 – 1946)
اتخذ الحكم الانتدابي الفرنسي في سوريا طابعًا عسكريًا في بداياته، لتثبيت السيطرة الفرنسية والحدّ من إمكانية نشوء سلطة وطنية مركزية، وإضعاف الوحدة الوطنية وإعاقة تشكّل حركة مقاومة موحّدة.
حينها، قُسّمت سوريا إلى عدة كيانات: دولة دمشق، ودولة حلب، وحكومة بلاد العلويين، ودولة جبل الدروز، بينما تمتّع لواء الإسكندرون بإدارة مستقلة إلى حدّ كبير، إضافةً إلى إنشاء دولة لبنان الكبير وفصلها نهائيًا عن سوريا.
وأُديرت البلاد بصورة مباشرة من قبل المفوض السامي الفرنسي ومندوبيه، الذين كانوا يتمتعون بصلاحيات واسعة شملت التشريع والتنفيذ والأمن، وتعاونهم في الحكم لجان إدارية ومجالس تمثيلية شكلية، فارغة من الصلاحيات، يقتصر تأثيرها على الخدمات وبعض شؤون الإدارة تحت إشراف الفرنسيين.
قاوم السوريون الإجراءات الفرنسية عبر ثورات محلية واحتجاجات شعبية ونشاطات سياسية. فسلطة الانتداب كانت حكمًا مفروضًا بالقوة، يواجه رفضًا متزايدًا من المجتمع السوري.
ولامتصاص النقمة الشعبية، أعلن الفرنسيون عام 1922 إنشاء اتحاد يضم دمشق وحلب ولواء الإسكندرون وبلاد العلويين، وتشكيل مجلس اتحادي مكوّن من خمسة عشر عضوًا. ثم تقرّر حلّ الاتحاد ودمج أعضائه في دولة واحدة، استُثنيت منها مناطق العلويين والدروز (سيُعاد دمجهما في الدولة السورية عام 1936). وعوضًا عن المجلس الاتحادي، تشكّل المجلس التمثيلي لدولة سوريا، وبقي مفرغًا من الصلاحيات الحقيقية.
لم تكن إجراءات الفرنسيين كافية لمنع تنامي المقاومة، حتى بلغت ذروتها في الثورة السورية الكبرى (1925-1927). فأدركوا أن سياسة الحكم العسكري والتقسيم ليست كافية لضمان الاستقرار، وأن تجاهل المطالب الوطنية سيؤدي إلى انفجارات جديدة. وتحت الضغط، تبنّوا نهجًا أكثر مرونة، يقوم على استيعاب النخب السياسية السورية ضمن أطر مؤسساتية تتعاون مع سلطات الانتداب.
الثورة السورية الكبرى.. وقائع نضال مبكر ضد الاستعمار الفرنسي – من أرشيف “مذكّرات”
وافقت فرنسا على إجراء انتخابات عام 1928 لتشكيل مجلس تأسيسي يضع دستورًا للبلاد. وانتقل النضال السوري بعد الثورة الكبرى من المواجهة المسلحة إلى مرحلة الكفاح السياسي والدستوري. وجاءت نتائج الانتخابات في صالح التيار الوطني، فضمّ المجلس المؤلف من 67 عضوًا نسبة كبيرة من الكتلة الوطنية، التي تشكّلت كإطار سياسي يضم الشخصيات المعارضة للانتداب والساعية لتحقيق الاستقلال بالوسائل السلمية، وفي مقدمهم رئيس المجلس هاشم الأتاسي.
انعكس أثر الثورة في مشروع الدستور، إذ تضمّن بنودًا تؤكد استقلال سوريا ووحدتها. فعطّل المفوض السامي الفرنسي المجلس التأسيسي، وأدخل تعديلات على الدستور، وأضاف المادة 116 التي تقيّد صلاحيات المؤسسات الوطنية، قبل إصداره عام 1930، وأصبح أساس الحياة الدستورية السورية وفق النظام الجمهوري النيابي.
منح دستور 1930 المجلس النيابي صلاحيات تتيح نوعًا من التوازن مع الحكومة ورئيس الجمهورية، مثل اقتراح القوانين والتشريعات ومناقشتها، وانتخاب رئيس الجمهورية، وانتخاب ثمانية من أعضاء المحكمة العليا الخمسة عشر.
وكانت الحكومة مسؤولة بالتضامن أمام المجلس، فيملك حجب الثقة عنها أو عن أحد الوزراء. كما تمتّع المجلس بصلاحية توجيه الاتهام لرئيس الجمهورية في حالة خرق الدستور أو الخيانة العظمى، وكذلك إصدار قرار بمحاكمة الوزراء في التهم نفسها أو بسبب إخلالهم بواجباتهم الوظيفية.
جرت أول انتخابات نيابية بموجب دستور الجمهورية السورية عام 1932، وبلغ عدد أعضاء المجلس النيابي 78 عضوًا، انتَخَبوا صبحي بركات الخالدي رئيسًا للمجلس. لكنّ المفوض السامي الفرنسي أصدر قرارًا بتعطيل المجلس إلى أجل غير مسمى في نوفمبر/ تشرين الثاني 1933. وفي الانتخابات النيابية التالية سنة 1936، تألّف المجلس النيابي الجديد من 85 عضوًا برئاسة فارس الخوري، أحد وجوه الكتلة الوطنية. انتهت ولاية المجلس عندما علّق المفوض السامي الفرنسي الدستور وحلّ البرلمان في يوليو/ تموز 1939، وكان اندلاع الحرب العالمية الثانية ذريعة لتعطيل الحياة السياسية.
أعاد الفرنسيون العمل بالدستور عام 1943، بضغط من حلفائهم البريطانيين والسياسيين السوريين الوطنيين. انتُخب مجلس نيابي جديد هيمنت عليه الكتلة الوطنية، وازداد عدد النواب ليصبح 124 بعد دمج الإقليمين العلوي والدرزي في الدولة السورية. جدّد النواب انتخاب فارس الخوري رئيسًا للمجلس، وتخلّل رئاسته تمثيله سوريا في اجتماعات تأسيس منظمة الأمم المتحدة، فحلّ محلّه سعد الله الجابري من أكتوبر/ تشرين الأول 1944 حتى سبتمبر/ أيلول 1945. اتخذ هذا المجلس قرارًا بإلغاء المادة 116 التي كانت تقيّد السيادة السورية، وفي عهده وقع العدوان الفرنسي على مبنى البرلمان في 29 يونيو/ حزيران 1945. واحتفلت سوريا بإنهاء الانتداب واستقلالها عن فرنسا في أبريل/ نيسان 1946.
ثانيًا – الاستقلال والانقلابات الأولى (1947 – 1954)
جرت أول انتخابات نيابية في عهد الاستقلال سنة 1947، وفيها ارتفع عدد النواب إلى 131، وأعيد انتخاب فارس الخوري رئيسًا للمجلس النيابي. ولم يعد مرشحو الكتلة الوطنية فريقًا واحدًا، إذ انقسمت إلى حزبين: حزب الشعب، ومركز ثقله الأساسي في مدينة حلب، والحزب الوطني في العاصمة دمشق، بينما آثر عدد من أعضائها مواصلة النشاط السياسي مستقلين.
وانتهت ولاية المجلس قسرًا بعد عام ونصف، ففي 30 مارس/ آذار 1949، قاد حسني الزعيم الانقلاب العسكري الأول في سوريا، وأصدر مرسومًا بحلّ البرلمان، وشكّل لجنة لإعداد دستور وقانون انتخابي جديد تعقبه انتخابات عامة. لكنّ لجنة الدستور لم تستكمل عملها، ولم ترَ المسودة التي وضعتها النور، بسبب انقلاب أسقط حكم الزعيم في أغسطس/ آب 1949.
بعد الانقلاب الثاني، تشكّلت حكومة مؤقتة تبنّت قانون انتخاب جديد، خفّض سن الاقتراع إلى 18 عامًا ومنح حق التصويت للنساء الحائزات على شهادة التعليم الابتدائي. وفي نوفمبر/ تشرين الثاني 1949، انتُخبت جمعية تأسيسية تضع دستورًا جديدًا للبلاد، سيُعرف لاحقًا بدستور 1950، وفيه تعزّزت صلاحيات السلطة التشريعية ودورها الرقابي واستقلاليتها إزاء السلطة التنفيذية.
تألّفت الجمعية التأسيسية من 112 عضوًا، وبعد إعداد الدستور الجديد وإقراره، تقرّر تحويلها إلى مجلس نيابي ترأسه على التوالي رشدي الكيخيا، معروف الدواليبي، وناظم القدسي. ولم يختلف مصيره عن سابقه، إذ جرى حلّه مطلع ديسمبر/ كانون الأول 1951 بعد انقلاب عسكري قاده العقيد أديب الشيشكلي.
استقال الرئيس هاشم الأتاسي احتجاجًا على الانقلاب، وسمّي اللواء فوزي سلو رئيسًا للدولة بصلاحيات تشريعية وتنفيذية، إلى أن وُضع دستور للبلاد وفق النظام الرئاسي. وجرى استفتاء على الدستور وعلى ترشيح الشيشكلي لرئاسة الجمهورية باقتراع عام مباشر من الشعب في يوليو/ تموز 1953.
وفي أكتوبر/ تشرين الأول، انتُخب مجلس نوّاب مؤلف من 83 عضوًا برئاسة مأمون الكزبري. ضمّ المجلس غالبية بلغت 60 مقعدًا من منتسبي “حركة التحرير العربي”، التي أسسها الشيشكلي لتكون بمثابة الحزب الحاكم. وانتهى هذا المجلس بعد بضعة أشهر بسقوط نظام الشيشكلي، الذي استقال وغادر البلاد أواخر فبراير/ شباط 1954، بعد انقلاب عسكري أطاح بسلطته.
اجتمع قادة الانقلاب وبعض زعماء الأحزاب وطلبوا من الرئيس هاشم الأتاسي العودة لإتمام فترة رئاسته واستعادة الحياة الدستورية. ودُعي البرلمان القديم (الذي حلّه الشيشكلي) إلى الاجتماع، وأعيد العمل بدستور 1950، وكأنّ مرحلة الشيشكلي لم تكن. فتشكّلت حكومة تكنوقراط أشرفت على انتخابات أغسطس/ آب 1954، التي وُصفت بأنها كانت الانتخابات البرلمانية الأكثر نزاهة في سوريا والدول العربية حتى ذلك العام.
ضمّ المجلس 141 نائبًا، انتخبوا ناظم القدسي رئيسًا له. وتميّز المجلس بتعددية سياسية وحزبية كبيرة؛ فإلى جانب الكتل التقليدية من النواب المستقلّين والحزب الوطني وحزب الشعب ونواب العشائر، وصل إلى المجلس مرشحون من الأحزاب الأيديولوجية، كالحزب الشيوعي وحزب البعث العربي الاشتراكي والحزب السوري القومي، فضلًا عن الكتلة الإسلامية من إخوان مسلمين وغيرهم.
وفي العام التالي جاء موعد الانتخابات الرئاسية، وللمرة الأولى والوحيدة في تاريخ سوريا، انتقلت السلطات بين رئيس الجمهورية السابق (هاشم الأتاسي) ورئيس الجمهورية اللاحق (شكري القوتلي) بشكل دستوري أنيق ومنظم.
ثالثًا – الوحدة السورية المصرية (1958-1961)
لم يُكتَب للتجربة الديمقراطية السورية الناشئة أن تواصل تطوّرها الطبيعي، فهي كانت أولى ضحايا الوحدة السورية المصرية وإعلان الجمهورية العربية المتحدة برئاسة جمال عبد الناصر عام 1958. أُلغيت الأحزاب السياسية، وامتد النظام المصري الناصري إلى سوريا، وهو نظام ديكتاتوري يمنح صلاحيات واسعة لرئيس الجمهورية، تشمل تسمية أعضاء البرلمان وعزلهم. وصار اسم البرلمان “مجلس الأمة”، مع صلاحية دعوته للاجتماع وحلّه بالكامل، وأن يحكم الرئيس بمراسيم جمهورية صادرة عنه من دون العودة إلى المؤسسات الدستورية.
هكذا عيّن الرئيس عبد الناصر وزراء الحكومة المركزية في القاهرة، والمجالس التنفيذية للحكومتين المحليتين في “الإقليم الشمالي” (سوريا) و”الإقليم الجنوبي” (مصر)، وكافّة أعضاء مجلس الأمة، بواقع 200 عضو من سوريا (الإقليم الشمالي) وضعفهم من مصر. وترأس المجلس أنور السادات. وانتهى المجلس مع نهاية دولة الوحدة، بالانفصال الذي وقع في 28 سبتمبر/ أيلول 1961.
جيل الهزيمة بين الوحدة والانفصال – من أرشيف برنامج “مذكرات”
رابعًا – الانفصال ثمّ انقلاب البعث (1961-1970)
بعد الانفصال جرت انتخابات في ديسمبر/ كانون الأول 1961، لانتخاب مجلس تأسيسي/نيابي لوضع دستور جديد للبلاد وانتخاب رئيس الجمهورية. تألّف المجلس من 172 عضوًا برئاسة مأمون الكزبري، وضمّ إلى جانب الموالين لقادة الانفصال وزعماء العشائر والطوائف الدينية ممثلين عن بعض الأحزاب السياسية، كالإخوان المسلمين وحزب البعث.
تعطّل المجلس مرارًا خلال أقلّ من عام، نتيجة تدخّل الجيش في شؤون الحكم في مارس/ آذار ونيسان/ أبريل 1962، ثمّ أعيد تفعيله بعد استقالة بعض النواب. واجتمع خارج مقره لأول مرة، وتحديدًا في دار خالد العظم الذي كُلّف بتشكيل الحكومة.
قرّر المجلس اعتماد دستور 1950 بعد إجراء تعديلات عليه وإضافة أحكام انتقالية، وصار يُعرف بدستور 1962. وقرّر المجلس أن دوره التأسيسي انتهى وتحوّل إلى مجلس نيابي. فاستقال رئيسه مأمون الكزبري، وانتخَب النواب سعيد الغزّي خلفًا له، وصدر الدستور موقّعًا باسمه مع صفة رئيس المجلس التأسيسي والنيابي. كان ذلك آخر مجلس تمثيلي في سوريا وفق النظام البرلماني، الذي انتهى بانقلاب 8 مارس/ آذار 1963.
وبموجب “الأمر العسكري رقم 1“، منح الانقلابيون أنفسهم السلطات التنفيذية والتشريعية من خلال “المجلس الوطني لقيادة الثورة“، الذي سيتوسّع لاحقًا ليصبح “المجلس الوطني للثورة“.
تشكّلت وزارة تضم ممثلين عن الأحزاب وكتل الضباط التي شاركت في الانقلاب، من بعثيين وناصريين وغيرهم، قبل أن يتخلّص البعثيون من الشركاء كافة خلال أشهر وينفردوا بالسلطة.
في العام التالي صدر “الدستور المؤقت للجمهورية العربية السورية“، ونصّ على تشكيل المجلس الوطني للثورة من أعضائه حينذاك، وممثلين عن قطاعات الشعب يحدّد عددهم وكيفية تمثيلهم بقانون. ومُنح المجلس صلاحيات واسعة، منها انتخاب أعضاء مجلس رئاسة الدولة ورئيس المجلس ونائبه، وتعديل الدستور المؤقت، ووضع دستور دائم وإجراء الاستفتاء العام، وإقرار عدد الوزارات ودمجها أو إلغاؤها، واعتماد الموازنة وفرض الضرائب، والبت في شؤون السلم والحرب، ومنح الثقة وحجبها عن الوزارة أو أحد الوزراء.
وعملًا بالدستور المؤقت، صدر قانون بتعيين أعضاء “المجلس الوطني للثورة” وعددهم 95 عضوًا. عقدوا اجتماعهم الأول في 1 سبتمبر/ أيلول 1965، وانتخبوا منصور الأطرش رئيسًا للمجلس. وفي 14 فبراير/ شباط 1966، قرّرت القيادة توسيع المجلس من 95 إلى 134 عضوًا بناءً على اقتراح من مجلس الرئاسة. لكن المجلس الوطني الموسّع لم يعمّر سوى 9 أيام فقط، إذ حُلّ بسبب انقلاب 23 فبراير/ شباط 1966. وبقيت سوريا حتى فبراير 1971 بلا أي شكل من أشكال الحياة البرلمانية، رغم وضع دستور مؤقت في 1 مايو/ أيار 1969، نصّ على انتخاب مجلس الشعب، وهي التسمية التي استعاض بها الحكم البعثي عن المجلس النيابي أو مجلس النواب أو البرلمان.
أصدرت السلطة البعثية قراراتها باسم “القيادة القطرية المؤقتة لحزب البعث”. وبعد قرارها الأول بتعطيل الدستور وحل المجلس الوطني للثورة ومجلس الرئاسة، صدر قرارها الثاني بتعيين نور الدين الأتاسي رئيسًا للدولة وتحديد كيفية ممارسة السلطة انتقاليًا. فكان للقرار طابع شبه دستوري؛ إذ يقوم رئيس الدولة بتعيين رئيس الحكومة والوزراء بقرار تتخّذه القيادة القطرية التي بقيت السلطة العليا في البلاد، إلى أن قام حافظ الأسد بانقلاب “الحركة التصحيحية” في نوفمبر/ تشرين الثاني 1970.
خامسًا – نظام الأسد ومجلس الشعب (1971-2024)
بعد نجاح الانقلاب شكّل حافظ الأسد قيادة قطرية مؤقتة جديدة، اختارته أمينًا قطريًا للحزب، واختارت رئيسًا مؤقتًا للدولة من بين أعضائها هو أحمد الخطيب. وشكّل الأسد الحكومة محتفظًا لنفسه بوزارة الدفاع ورئاسة مجلس الوزراء، إلى أن تولّى رئاسة الجمهورية محل الخطيب، الذي سُمّي رئيسًا لمجلس الشعب.
اعتمدت القيادة القطرية في فبراير/ شباط 1971 تعديلات على دستور 1969 المؤقت (ويُعرَف أيضًا باسم دستور البعث كونه نصّ على أنه الحزب القائد في الدولة والمجتمع). وشملت التعديلات استحداث منصب رئيس الجمهورية بدلًا من رئيس الدولة، ولم يعد الرئيس يُنتخب من قبل مجلس الشعب، بل عن طريق استفتاء شعبي بعد أن تقترح القيادة القطرية اسم مرشح ويوافق عليه المجلس. ولم يعد مجلس الوزراء مسؤولًا أمام مجلس الشعب، وإنما أمام رئيس الجمهورية الذي تعزّزت صلاحياته لتشمل التشريع في فترة عدم انعقاد مجلس الشعب.
عيّنت القيادة أعضاء مجلس الشعب وعددهم 173 عضوًا، منهم 87 بعثيًا، وأربع نساء من قطاعات شعبية ومهنية، إضافةً إلى ممثلين عن الأحزاب التي سيشكّل منها الأسد لاحقًا “الجبهة الوطنية التقدمية” بقيادة حزب البعث، وهي: الاتحاد الاشتراكي العربي، والوحدوي الاشتراكي، والاشتراكيون العرب، والحزب الشيوعي (ستحصل انشقاقات في هذه الأحزاب على خلفية انضمامها للجبهة، وتشكّل الأجنحة المنشقة تحالفًا معارضًا للنظام لاحقًا).
استمرّت ولاية المجلس المعيّن مدة عامين، جرى خلالهما تأسيس “الجبهة الوطنية التقدمية” عام 1972، في صيغة تحالف سياسي يشارك في السلطة تحت قيادة حزب البعث. وأُقِرّ “الدستور الدائم للجمهورية العربية السورية” في مارس/ آذار 1973، ومن خلاله أمسك حافظ الأسد بمفاصل السلطة كافة، إلى جانب قيادته الجيش والقوات المسلحة، ليصبح حاكمًا مطلقًا بموجب دستور يجعل من السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية هياكل شكلية، تأتمر جميعًا بأمر الرئيس وتخضع لمشيئته.
انتُخب مجلس الشعب وفق الدستور الجديد، وبلغ عدد أعضائه 186 عضوًا برئاسة محمد علي الحلبي. واستمر الدور التشريعي الأول من يونيو/ حزيران 1973 حتى يونيو 1977، تلاه الدور التشريعي الثاني من أغسطس/ آب 1977 حتى أغسطس 1981، مع زيادة عدد الأعضاء إلى 195 وتولّي محمود حديد رئاسة المجلس خلفًا للحلبي.
وبنفس عدد النواب والتركيبة الحزبية تشكّل مجلس الشعب في الدور التشريعي الثالث (1981-1985)، وأصبح محمود الزعبي رئيسًا للمجلس. واستمرت رئاسته في العام الأول من الدور الرابع (1986-1990) إلى أن كُلّف برئاسة مجلس الوزراء، وحلّ محلّه عبد القادر قدورة بدءًا من عام 1987، وسيبقى في منصبه حتى عام 2003، ليكون صاحب الرقم القياسي بين جميع من شغلوا هذا الموقع في سوريا.
قرّر حافظ الأسد زيادة عدد أعضاء مجلس الشعب في الدور التشريعي الخامس (1990-1994) ليصل إلى 250 عضوًا، ما أفسح المجال أمام منح مقاعد إضافية للمستقلين، من دون أن يؤثر ذلك على هيمنة مرشحي البعث وملحقاته من أحزاب الجبهة الوطنية التقدمية. فالبعث وأحزاب الجبهة كانوا يخوضون الانتخابات دومًا بقائمة موحّدة مضمونة النجاح، تحوز الغالبية الساحقة من المقاعد، إلى جانب النواب “المستقلين” المقرّبين من السلطة.
احتفظ عبد القادر قدورة برئاسة المجلس، وكذلك في الدور التشريعي السادس (1994-1998)، ثم السابع (1998 -2002) الذي شهد وفاة حافظ الأسد في يونيو/ حزيران 2000، وإصدار المراسيم اللازمة لترقية بشار الأسد من رتبة عقيد إلى فريق، وتعيينه قائدًا للجيش والقوات المسلحة، فضلًا عن تعديل المادة الدستورية المتعلقة بعمر المرشح لرئاسة الجمهورية وتخفيضها من 40 إلى 34 عامًا، كي تتوافق مع سن بشار وتكتمل عملية توريث السلطة.
رغم ادّعاءات بشار الأسد الإصلاحية في خطاب القسم ومزاعم “التطوير والتحديث“، وتخفّفه تدريجيًا من الأيديولوجية البعثية، استمر حال مجلس الشعب كما هو: مؤسسة شكلية خاضعة للرئيس، من دون أي دور تشريعي أو سياسي حقيقي خارج إملاءاته. ولعل التغيير الأبرز كان ظهور فئة جديدة من أعضاء المجلس هم رجال أعمال جدد مرتبطون بالنظام، أو كانوا واجهات اقتصادية لعائلة الأسد.
جرت أول انتخابات لمجلس الشعب تحت حكم بشار الأسد في الدور التشريعي الثامن (2003-2007)، وأصبح محمد ناجي عطري رئيسًا للمجلس مدة عام، قبل أن يُكلّف برئاسة مجلس الوزراء، ويخلفه محمود الأبرش حتى 2007. واستمر الأبرش رئيسًا للمجلس في الدور التشريعي التاسع حتى نهاية عام 2011، وكان آخر مجلس للشعب وفق دستور 1973، وشهد اندلاع الثورة السورية.
حاول بشار الأسد الإيحاء بإجراء إصلاحات سياسية لاحتواء الثورة السورية، كان من بينها إصدار دستور جديد عام 2012. وعلى الرغم من حذف المادة الثامنة الشهيرة في الدستور السابق، التي كانت تنص على أن “حزب البعث العربي الاشتراكي هو الحزب القائد في الدولة والمجتمع، يقود جبهة وطنية تقدمية..”، لم يُمسّ موقع الحزب في السلطة فعليًا. وعوضًا عن قائمة “الجبهة” سابقًا، أصبح اسمها “قائمة الوحدة الوطنية“، وكأن شيئًا لم يتغيّر.
انتُخب مجلس الشعب وفق دستور بشار الأسد، فكان الدور التشريعي الأول من 2012 حتى 2016، واختير محمد جهاد اللحام رئيسًا للمجلس. وفي الدور التشريعي الثاني (2016-2020) تولت هدية خلف عباس رئاسة مجلس الشعب، لتكون أول امرأة في تاريخ سوريا تشغل هذا المنصب، لكنها لم تستمر فيه سوى 14 شهرًا، إذ عزلها المجلس واختار حمودة صباغ خلفًا لها.
واحتفظ صباغ بمنصبه خلال الدور التشريعي الثالث (2020-2024)، ثم الرابع الذي بدأ في أغسطس/ آب 2024، ليكون آخر مجلس شعب في العهد الأسدي، إذ سقط النظام في 8 ديسمبر/ كانون الأول 2024، وتقرّر حل مجلس الشعب في ما سُمّي “مؤتمر النصر“، الذي عُقد في 29 يناير/ كانون الثاني 2025، بمشاركة الفصائل المسلحة التي دخلت دمشق تحت قيادة هيئة تحرير الشام باسم “إدارة العمليات العسكرية“. وتقرّر تعيين زعيم الهيئة أحمد الشرع رئيسًا للمرحلة الانتقالية.
سادسًا – المرحلة الانتقالية (2025-)
في مارس/ آذار 2025 أصدر الشرع إعلانًا دستوريًا حدّد المرحلة الانتقالية بخمس سنوات. وبيّن الباب الثالث من الإعلان الدستوري نظام الحكم في المرحلة الانتقالية، وأسّس تشكيل السلطات وصلاحيات كل منها والعلاقة بينها.
منح الإعلان الرئيس صلاحيات واسعة في السلطات الثلاث التنفيذية والقضائية والتشريعية، منها: القائد الأعلى للجيش والقوات المسلحة، وتعيين الوزراء وإعفاؤهم من مناصبهم، وإصدار اللوائح التنفيذية والتنظيمية والأوامر والقرارات الرئاسية، واقتراح القوانين، وتعيين رؤساء البعثات الدبلوماسية، وإعلان التعبئة العامة والحرب (بعد موافقة مجلس الأمن القومي وليس مجلس الشعب)، وتعيين أعضاء المحكمة الدستورية العليا.
وفي الوقت نفسه، لم يبيّن الإعلان آلية مراقبة قرارات الرئيس، أو الحالات التي قد تؤدي إلى عزله أو محاكمته، لا عن طريق مجلس الشعب ولا سواه.
يتكون من 4 أبواب و53 مادة.. الخطوط العريضة للإعلان الدستوري السوري – من الأرشيف
حدّد الإعلان الدستوري مدة ولاية مجلس الشعب في المرحلة الانتقالية بثلاثين شهرًا قابلة للتجديد، ووضع آلية غير مباشرة لاختيار أعضاء المجلس؛ حيث يعيّن الرئيس لجنة عليا تشرف على تشكيل هيئات ناخبة تقوم باختيار ثلثي أعضاء مجلس الشعب، ويعيّن الرئيس ثلث الأعضاء.
وتكون مهام المجلس اقتراح القوانين وإقرارها، وتعديل أو إلغاء القوانين السابقة، والمصادقة على المعاهدات الدولية، وإقرار الموازنة العامة، وعقد جلسات استماع للوزراء، وإقرار العفو العام. ويتخذ المجلس قراراته بالأغلبية. ويصدر الرئيس القوانين التي يقرّها مجلس الشعب، وله الاعتراض عليها بقرار معلّل خلال شهر من ورودها من المجلس الذي يعيد النظر فيها. ولا تُقرّ بعد الاعتراض إلا بموافقة ثلثي الأعضاء.
وفي يونيو/ حزيران 2025 أصدر الشرع مرسومًا بتسمية اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب، وأن يكون عدد أعضاء المجلس 150 عضوًا، ثم عدّل الرقم بمرسوم لاحق في أغسطس/ آب ليصبح 210 أعضاء.
وجرت الانتخابات في 5 أكتوبر/ تشرين الأول 2025، وقد قررت اللجنة تأجيلها في محافظات الحسكة والرقة ومنطقة عين العرب/ كوباني في محافظة حلب (وهي مناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطية – قسد)، بالإضافة إلى محافظة السويداء. واختارت الهيئات الناخبة الفرعية، البالغ عددها نحو 6 آلاف ناخب، 119 عضوًا من أصل 140، على أن يجري استكمال تشكيل المجلس باختيار 21 عضوًا عن الدوائر التي تأجّلت فيها الانتخابات، بالإضافة إلى الأعضاء السبعين الذين سيعيّنهم الرئيس الانتقالي، وهو ما لم يتم حتى كتابة هذه السطور أواخر يناير/ كانون الثاني 2026.
مصادر ومراجع
– حكمت إسماعيل، نظام الانتداب الفرنسي على سوريا، الطبعة الأولى، دمشق، دار طلاس، 1998
– شاكر اسعيّد، البرلمان السوري في تطوّره التاريخي، الطبعة الأولى، دمشق، دار المدى، 2002
– فيليب خوري، سوريا والانتداب الفرنسي، ترجمة وإصدار مؤسسة الأبحاث العربية، الطبعة العربية الأولى، بيروت 1997
– كريم أتاسي، سوريا قوّة الفكرة، ترجمة معين رومية، الطبعة الأولى، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، 2022
– كمال ديب، تاريخ سورية المعاصر، الطبعة الأولى، بيروت، دار النهار، 2011
– مازن صباغ، سجل الدستور السوري، الطبعة الأولى، دمشق، دار الشرق، 2010
– الإعلان الدستوري للجمهورية العربية السورية، الصادر عن رئاسة الجمهورية في 13 مارس/ آذار 2025



