يلجأ قطاع واسع من الناس إلى تناول مكملات فيتامين سي بانتظام لتعزيز المناعة والحفاظ على الصحة العامة، ولا سيما مع انتشار نزلات البرد والإنفلونزا في مواسمها المختلفة. ورغم الفوائد المعروفة لهذا الفيتامين الحيوي، فإن الاعتقاد السائد بأن المكملات الغذائية آمنة بالمطلق قد يخفي مخاطر صحية ناتجة عن التداخل بين فيتامين سي وبعض العناصر الغذائية والأدوية الأخرى.
يؤكد الأطباء أن التفاعلات الدوائية والغذائية تختلف وفقاً للجرعات والحالة الصحية والأدوية التي يتناولها الشخص، مما ينادي بضرورة مراجعة الطبيب أو الصيدلي قبل إضافة أي مكمل جديد إلى النظام اليومي. وفي هذا السياق، تبرز خمسة مكملات وأدوية رئيسية تستدعي الحذر الشديد عند تناولها بالتزامن مع فيتامين سي.
أولاً، فيتامين ب12، حيث يحتمل انخفاض امتصاصه. يؤدي فيتامين ب12 دوراً حيوياً في تكوين خلايا الدم الحمراء، ودعم وظائف الجهاز العصبي، والإسهام في عمليات التمثيل الغذائي. غير أن تناول جرعات مرتفعة من فيتامين سي بالتزامن معه قد يؤدي إلى تكسير بعض أشكال فيتامين ب12، مثل سيانوكوبالامين، مما يقلل الكمية المتاحة لامتصاص الجسم. وينصح الأطباء بالفصل بين تناول مكملات فيتامين سي وفيتامين ب12 لعدة ساعات، ولا سيما عند استخدام جرعات مرتفعة. ويمكن الحصول على فيتامين ب12 طبيعياً من اللحوم والدواجن والأسماك والمحار والبيض ومنتجات الألبان، بينما توجد مصادر فيتامين سي في البرتقال والليمون والتوت والبروكلي والكرنب.
ثانياً، الحديد، والذي يمثل خطراً على مرضى زيادة مخزون الحديد. يعد الحديد معدناً أساسياً لإنتاج الهيموجلوبين المسؤول عن نقل الأكسجين إلى مختلف أجزاء الجسم، كما يشارك في وظائف العضلات ونمو الجهاز العصبي. ورغم أن فيتامين سي معروف بمساعدته على تحسين امتصاص الحديد من الطعام، فإن الجمع بينهما يحتاج إلى حذر شديد لدى الأشخاص المصابين بزيادة مخزون الحديد، مثل مرضى داء ترسب الأصبغة الدموية. فالامتصاص المفرط للحديد لدى هذه الفئة قد يرفع خطر تراكمه في الأنسجة والأعضاء، مما قد يؤدي إلى أضرار صحية جسيمة، لذا ينبغي استشارة الطبيب لتحديد الجرعات المناسبة.
ثالثاً، النحاس، حيث يتراجع توافره في الجسم. يلعب النحاس دوراً بارزاً في إنتاج الطاقة وتكوين خلايا الدم الحمراء ودعم الجهاز العصبي والمناعة. لكن تناول جرعات مرتفعة من فيتامين سي قد يؤثر سلباً في توافر النحاس، وقد يرتبط باضطرابات في التوازن التأكسدي واحتمال حدوث أضرار صحية. وينصح المختصون بعدم تناول مكملات النحاس وفيتامين سي في الوقت نفسه، والفصل بينهما بتناولهما مع وجبات مختلفة مع ترك ساعتين على الأقل بينهما.
رابعاً، فيتامين ب3، الذي يشهد تداخلاً محتملاً مع أدوية الكوليسترول. يُعرف فيتامين ب3 باسم النياسين، ويُستخدم أحياناً للتحكم بمستويات الكوليسترول، وقد يُوصف بالتزامن مع أدوية خفض الكوليسترول من مجموعة الستاتين. غير أن تناول فيتامين سي مع النياسين وأدوية الستاتين قد يؤثر في فعالية العلاج ويقلل بعض الفوائد المرتبطة بتحسين مستويات الكوليسترول الجيد، مما يحتم على المرضى استشارة الأطباء لتحديد الجرعة والتوقيت المناسبين.
خامساً، الألومنيوم والوارفارين، وهما تفاعلات دوائية تستدعي الانتباه. ورغم أن الألومنيوم ليس مكملًا غذائيًا، فإنه يدخل في تركيب بعض الأدوية مثل مضادات الحموضة المستخدمة لعلاج حرقة المعدة. وتشير التحذيرات أيضاً إلى ضرورة الانتباه عند تناول فيتامين سي مع دواء الوارفارين، وهو مضاد للتخثر يُستخدم للوقاية من الجلطات الدموية وعلاجها؛ إذ قد تؤثر الجرعات المرتفعة من فيتامين سي في فعالية الدواء، ورغم أن هذا التفاعل غير شائع، فإنه يستدعي متابعة طبية دقيقة لضمان استمرار فاعلية العلاج وعدم تعديل الجرعات بشكل شخصي.
وفي سياق متصل، تتكامل أدوار الفيتامينات في تعزيز المناعة، حيث يوضح الأطباء أن فيتامين سي وفيتامين د يؤديان أدواراً مختلفة ومتكاملة، ولا يمكن اعتبار أحدهما بديلًا عن الآخر أو وسيلة مضمونة لمنع الإصابة بالعدوى. فبينما يساعد فيتامين سي خلايا الجهاز المناعي على أداء وظائفها ويعمل مضاداً للأكسدة يحمي الخلايا من التلف، تشير بعض الأبحاث إلى أن تناوله قد يقلل مدة نزلات البرد وشدتها بنحو 15% مقارنة بالدواء الوهمي، لكنه لا يمنع الإصابة بها لدى معظم البالغين الأصحاء.
أما فيتامين د، فيؤدي دوراً تنظيميياً في الجهاز المناعي، ويساعد في التحكم بالالتهابات والحد من مهاجمة الجهاز المناعي لأنسجة الجسم السليمة، ورغم أهميته، لا توجد أدلة كافية تدعم تناول مكملاته بصورة روتينية للوقاية من الأمراض لدى الأفراد الذين لا يعانون نقصاً معروفاً فيه، بينما تكون مكملاته ضرورية لمن يعانون نقصاً حقيقياً ككبار السن وأصحاب التعرض المحدود لأشعة الشمس. وفي المقابل، يستطيع معظم الناس الحصول على احتياجاتهم اليومية من فيتامين سي عبر تناول الفواكه والخضراوات دون الحاجة لمكملات عالية الجرعة.
ويحذر الأطباء في النهاية من الاعتقاد بأن زيادة جرعات الفيتامينات تعني حماية أكبر للجسم؛ إذ إن الإفراط في تناول فيتامين سي بجرعات تتجاوز 2000 ملليجرام يومياً يؤدي إلى اضطرابات الجهاز الهضمي ويرفع احتمالات الإصابة بحصوات الكلى. كما أن تناول فيتامين د بجرعات تتجاوز 4000 وحدة دولية يومياً قد يرتبط بالغثيان والضعف ومضاعفات صحية أخرى.
