حذرت دراستان علمיות حديثتا المنشور في دورية “جاما” الطبية من تداعيات صحية خطيرة مرتبطة بارتفاع معدلات رفض الآباء لإعطاء أطفالهم حديثي الولادة حقنة فيتامين K الوقائية، وهو ما أدى إلى قفزة مقلقة في حالات النزيف واضطرابات التجلط لدى الرضع خلال السنوات الأخيرة.
وأظهرت البيانات الواردة في الدراسة الأولى، التي شملت أكثر من 11 مليون رضيع في الولايات المتحدة تتراوح أعمارهم بين الولادة وستة أشهر خلال الفترة من 2017 إلى 2025، تراجع نسبة الأطفال الحاصلين على حقنة فيتامين K من 97.7% إلى 95%. وفي المقابل، قفزت معدلات تشخيص نقص فيتامين K بنسبة 215.7%، بينما سجلت حالات النزيف الناتجة عن هذا النقص زيادة حادة بلغت 347.1% خلال الفترة ذاتها. ورغم تزامن هذين المؤشرين، أشار الباحثون إلى أن هذا الارتباط الإحصائي لا يثبت بمفرده وجود علاقة سببية مباشرة، لكنه يدق ناقوس الخطر حيال المخاطر المتأتية من تجنب الوقاية.
من جهتها، عززت الدراسة الثانية، التي استندت إلى بيانات أكثر من 5.2 مليون مولود، هذه النتائج عبر مقارنة مباشرة لمخاطر النزيف. وألقت الضوء على ارتفاع نسبة المواليد المحرومين من الحقنة من 3.1% عام 2017 إلى 6.8% في 2025. وبينت التحليلات أن هؤلاء الأطفال كانوا أكثر عرضة للتعرض للنزيف خلال الأشهر الستة الأولى من حياتهم بنسبة تصل إلى 47% مقارنة بأقرانهم الذين تلقوا الجرعة. والأكثر خطورة هو مضاعفة خطر الإصابة بالنزيف داخل الجمجمة إلى أكثر من الضعف، فضلاً عن رصد زيادة ملحوظة في معدلات الوفيات المصاحبة للنزيف في فترة الولادة.
وتبرز الحاجة الملحة لهذه الحقنة في كون فيتامين K عنصراً حيوياً لا غنى عنه لإنتاج وتنشيط البروتينات المسؤولة عن تجلط الدم ووقف النزيف. ورغم هذه الأهمية البالغة، يولد الأطفال بمستويات شحيحة جداً من هذا الفيتامين؛ نظراً لضعف انتقاله عبر المشيمة أثناء فترة الحمل، وانخفاض تراكيزه في حبن الأم، ناهيك عن عدم اكتمال نمو البكتيريا المعوية المسؤولة عن تصنيعه داخلياً.
ويؤدي هذا النقص الحاد إلى الإصابة بحالة طبية تُعرف باسم “النزيف الناتج عن نقص فيتامين K”، والتي تفقد الدم قدرته المعهودة على التجلط وتؤدي إلى نزيف في مواضع متفرقة من الجسم. وتكمن خطورة هذه الحالة في مباهاة الأعراض وحدوثها دون أي إصابة ظاهرة أو إشارات تحذيرية مسبقة، لتصل أحياناً إلى الدماغ مسببة تشنجات أو تلفاً عصبياً مستداماً أو الوفاة.
ويصنف الأطباء هذا النوع من النزيف إلى ثلاثة أشكال رئيسية؛ يبدأ النوع المبكر خلال الويعات الأولى لا سيما أول 24 ساعة، وغالباً ما يقترن بتناول الأم أدوية تؤثر على التمثيل الغذائي للفيتامين. ويظهر النوع الكلاسيكي في الأيام الأولى من عمر الرضيع، كاليوم الثاني وحتى نهاية الأسبوع الأول، متخذًا شكل كدمات أو نزيف من السرة أو الجهاز الهضمي. أما النزيف المتأخر فيمتد من عمر أسبوع وحتى ستة أشهر، وهو الأشد خطورة نظراً لارتباطه باحتمالية وقوع نزيف داخل الجمجمة بنسبة تتراوح بين 30% إلى 60% من الإصابات، وهو ما يخلف مضاعفات عصبية بالغة الخطورة.
وفي سياق متصل، يلعب اللبس المفاهيمي دوراً في تردد بعض العائلات، حيث يعتقد البعض خطأً أن حقنة فيتامين K تمثل لقاحاً أو تطعيمًا تقليديًا، بينما هي في الواقع جرعة وقائية بحتة من عنصر غذائي أساسي. وتوصي الأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال بضرورة إعطاء جرعة عضلية واحدة لجميع حديثي الولادة خلال الساعات الأولى تلو الولادة لتوفير حماية كافية. وتؤكد المراجعات العلمية المنشورة في دورية “جورنال أوف بيريناتولوجي” أن هذه الوقاية تنجح في خفض خطر النزيف المتأخر بنحو 98%.
وتخلص الأدلة الطبية إلى ضرورة نأي الأمهات عن تتبع المعلومات المغلوطة المتداولة عبر منصات التواصل الاجتماعي والتي تربط الفيتامين بالتطعيمات. كما تشدد التوجيهات على أن الاعتماد على الرضاعة الطبيعية وحدها أو المكملات الفموية لا يقدمان بديلاً مكافئاً أو كافياً لحماية المولود، مما يرفع من شأن الجرعة الوقائية المبكرة بوصفها صمام الأمان الأساسي لتفادي مضاعفات صحية جسيمة.
