نجاة ترمب من ثالث استهداف: تذبذب عقوبات النفط يربك واشنطن

إعفاءات بيع النفط الروسي ثم تمديده 30 يوماً تثير انتقادات أوكرانية وأمريكية، بينما تتصاعد إجراءات الضغط على إيران. Misryoum: تذبذب السياسة ينعكس على الحربين الاقتصادية والعسكرية.
شهدت سياسة العقوبات الأميركية على النفط موجة جديدة من التذبذب، مع تمديد إعفاء يسمح ببيع النفط الروسي، في وقت تتجه فيه الإدارة نحو تشديد آخر على إيران. وبين هذا وذاك، تبدو واشنطن وكأنها تتحرك تحت ضغط حسابات متناقضة، لا على طاولة واحدة بل على أكثر من جبهة.
وتأتي هذه التطورات ضمن مسار أوسع لإدارة الرئيس دونالد ترمب يعكس تعقيد المرحلة: فبعد أن أعلن وزير الخزانة سكوت بيسنت منتصف أبريل أن الولايات المتحدة لن تمدّد إعفاء بيع النفط الروسي، أصدرت الوزارة بعد يومين مهلة جديدة لمدة 30 يوماً.. الإعفاء الحالي ينتهي في 16 مايو، لكن الرسالة التي وصلت للسوق وللخصوم كانت أقرب إلى ارتداد مفاجئ منها إلى خطة ثابتة.
في أول إشارات ردّ الفعل، دان الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي الإعفاء، معتبراً أن كل دولار يُدفع مقابل النفط الروسي هو مال للحرب.. كما وصف ديمقراطيون في مجلس الشيوخ هذا التحوّل بأنه قرار «مُخزٍ»، بينما أكّد بيسنت لاحقاً أن الولايات المتحدة لا تعتزم تجديد الإعفاء مرة أخرى.. ومع ذلك، فإن مجرد التمديد بعد نفي سابق يضع علامة استفهام أمام الرأي العام ومتابعي السياسات.
يُفهم هذا الارتباك جزئياً حين يجري النظر إلى أسعار النفط وتقاطعاتها مع حسابات السياسة الخارجية.. فالإدارة الأميركية كانت تستخدم العقوبات تاريخياً كرافعة مالية لإضعاف اقتصادات الخصوم.. لكن في الواقع الحالي، باتت دول مثل روسيا وإيران تتعامل مع هذه الورقة عبر استغلال نفوذها في أسواق الطاقة—إما عبر الإمدادات أو عبر قدرة المستوردين على إيجاد بدائل.. النتيجة أن وزارة الخزانة تجد نفسها مضطرة للتكيّف أكثر من كونها قادرة على فرض مسار واحد بلا اهتزاز.
وبالنسبة لروسيا، فإن التسهيلات المرتبطة بالإعفاء لا تعني فقط مساحة زمنية، بل تعني أيضاً عوائد يمكن أن تترجم إلى قدرة على الاستمرار.. وتشير تقديرات في النص إلى أن الإعفاءات قد تملأ خزائن روسيا بما يُقدّر بنحو 200 مليون دولار يومياً، وهو رقم—مهما كانت دقته—يعكس حجم القلق الأميركي والغربي من تقويض جهود سابقة هدفت إلى الحد من قدرة موسكو على تمويل الحرب في أوكرانيا.
في الخلفية نفسها، يبرز عنصر الضغط السياسي داخل واشنطن.. فقد ذكر بيسنت خلال جلسة استماع في مجلس الشيوخ الأسبوع الماضي أن قرار تمديد الترخيص جاء بعد ضغوط من دول نامية طالبت بالحفاظ على كميات أكبر من النفط الروسي في السوق.. وفي حديثه، قال بيسنت إن افتراضه كان ألا يحدث ذلك، مضيفاً أن الدول الفقيرة تواجه نقصاً عالمياً في النفط.. هكذا تتقاطع العقوبات مع ملف إنساني واقتصادي أوسع: من يدفع فاتورة التضييق، ومتى يتحول الضغط على الخصم إلى ضغط على المستوردين الأكثر هشاشة.
ومن زاوية أوسع، اتخذت إدارة ترمب خطوات عقابية متزامنة على مسارات متعددة.. فإلى جانب ملف روسيا، أطلقت حملة واسعة من العقوبات استهدفت 40 شركة شحن وسفينة مرتبطة بـ«أسطول الظل» الإيراني لناقلات النفط.. كما فُرضت عقوبات على مصفاة صينية مستقلة، «هنغلي للبتروكيماويات»، بوصفها من أكبر مشتري النفط الخام والمنتجات الإيرانية.. هذا يوضح أن واشنطن تحاول، رغم التذبذب، مواصلة تضييق حلقات التوريد—لكن توقيت الرسائل المتباين يربك صورة الهدف النهائي.
ولدى الحديث عن إيران، تبدو الصورة أكثر تعقيداً.. فالمسار بدأ بمنح إعفاء لمدة 30 يوماً الشهر الماضي يسمح ببيع النفط الإيراني، بحجة المساهمة في خفض أسعار النفط العالمية ومنع طهران من الاستفادة عبر إغلاق مضيق هرمز.. ثم تبدّل الخطاب هذا الشهر: انتهت الإعفاءات، وانطلقت «عملية الغضب الاقتصادي» بفرض عقوبات جديدة، مع توسيع نطاق حصار السفن الأميركية ليشمل مياه عالمية أوسع.. وبحسب ما ورد، شبّه بيسنت هذه المبادرة بحملة قصف مالي.
هذا النوع من المقاربة—تبديل المسار بين تخفيف مؤقت وتشديد سريع—يترك أثراً ملموساً على الأرض، خاصة للدول والشركات التي تعتمد على سلاسل إمداد مرتبطة بالنفط والناقلات.. ففي سوق الشحن، تغيير المسارات أو توقف السفن لا يكون قراراً نظرياً؛ بل ينعكس على تكاليف التأمين، وجدولة الرحلات، ومخاطر التعامل مع كيانات تخضع للعقوبات.. لذلك، فإن منطق العقوبات لا يُقاس فقط بالقرارات المكتوبة، بل بما يحدث فعلاً لوجستيّاً في الموانئ والممرات البحرية.
وفي الجانب العسكري-الاقتصادي، تتقاطع سياسة العقوبات مع سلوك إيران نفسه.. فإغلاق مضيق هرمز—بوصفه ورقة ضغط—يجعل تطبيق العقوبات أكثر حساسية، لأن أي تدهور في حركة الملاحة قد يرفع المخاطر ويؤثر في التجارة العالمية.. وتشير المؤشرات الواردة إلى اضطراب في عمليات «أسطول الظل» الإيراني، مع تغيّر مسارات بعض الناقلات أو توقفها.. لكن بالمقابل، تبين بيانات تتبع السفن أن ناقلات مرتبطة بإيران لا تزال تتحرك، ما يعني أن الحصار لا يعمل كزر تشغيل فوري.
هنا يظهر جوهر التحليل: الحدود الزمنية للحصار وخيارات التنفيذ تجعل الأثر العملي أقل سرعة، وأكثر اعتماداً على قدرة الخصم على التحمل وعلى قدرة واشنطن على الاستمرار في الاستهداف ضمن حدودها القانونية والعملية.. ويضاف إلى ذلك سؤال السمعة الدولية: فحين يتوسع الحصار في الجغرافيا وتتعقد القواعد التشغيلية، قد يتراجع الاعتبار بوصف الولايات المتحدة «حامية للنظام الدولي»، بحسب ما يوحي به نقاشات الخبراء في هذا السياق.
أما المفارقة التي تهم المتابعين—ومعها السؤال الذي يظل معلّقاً—فهي علاقة العقوبات بتوقعات الإدارة نفسها.. فقد حذرت الباحثة المختصة من أن ما يحدث ليس نموذجاً مستقراً، بل ارتداد مفاجئ في السياسة.. وتطرح هذه القراءة احتمالاً بأن الإدارة لم تتوقع استمرار الوضع بنفس التعقيد كل هذه المدة، خصوصاً بعدما انتقلت واشنطن من افتراض أن الضغط العسكري سيؤدي إلى استسلام سريع إلى التركيز المتزايد على أدوات اقتصادية بعد ارتفاع كلفة الحرب.
وفي النهاية، يعكس تذبذب عقوبات النفط—روسيا وإيران معاً—تداخل الحربين الاقتصادية والعسكرية في آن واحد.. لا توجد، حسب ما ورد من تحليل، «نموذج جاهز» لهذه الحروب، وهو ما قد يفسر جانباً من التخبّط.. وللمستقبل القريب، يبدو أن الرسالة الأهم ليست مجرد تغيير إعفاء أو فرض عقوبة، بل طريقة رسم مسار متماسك يحسب حساب السوق أولاً، والنتائج على المدى المتوسط قبل أن تتحول السياسة إلى سلسلة ردود فعل.