لبنان بين «عون» و«عون»: محطة مفصلية لاستعادة الدولة

يحلل المقال التحول الجذري في المشهد السياسي اللبناني، مقارناً بين عهد الرئيس السابق ميشال عون وتوجهات القائد جوزيف عون، في ظل تغير التوازنات الإقليمية وسقوط محاور النفوذ السابقة.
يعد الخطاب الأخير للرئيس اللبناني جوزيف عون علامة فارقة تؤكد أن المنطقة تدخل مرحلة من التشكيلات السياسية الجديدة، حيث تتلاشى توازنات القوى التقليدية التي فرضتها لعقود صراعات النفوذ الإقليمي.. لم يعد لبنان اليوم كما كان في السابق؛ فقد تحرر من كونه «دولة رهينة» لسياسات المحاور، ليبدأ فصلاً جديداً يعتمد على مفهوم «الدولة الوطنية» بدلاً من الانغماس في أيديولوجيات دمرت مقدرات الشعب اللبناني.
على مدى سنوات طويلة، عانى لبنان من حالة انقسام حاد وتغليب للمصالح الخارجية على المصلحة الوطنية العليا.. كان نهج الرئيس السابق ميشال عون مثالاً واضحاً للارتهان السياسي، حيث وفر غطاءً محلياً لمحور المقاومة، مما جعل القرار اللبناني مجرد صدى لمواقف إقليمية لا تخدم تطلعات اللبنانيين في العيش بكرامة.. هذا المسار دفع بالبلاد نحو الانهيار الاقتصادي، والعزلة الدولية، وفقدان الهوية التي كانت تميز لبنان كمنارة ثقافية واقتصادية في المنطقة.
سقوط الأيديولوجيا وبزوغ الواقعية السياسية
إن التغيرات الجيوسياسية الراهنة، بدءاً من تراجع نفوذ الحركات المؤدلجة وصولاً إلى التحولات في النظام السوري والضغط الدولي على طهران، خلقت فراغاً في الساحة اللبنانية.. هذا الفراغ لم يملأه الفوضى، بل استغله قادة يؤمنون بالدولة والمؤسسات.. جوزيف عون، بموقفه الأخير، يمثل النقيض التام للمرحلة السابقة؛ فهو لا يسعى لتحويل لبنان إلى ساحة صراع، بل يعمل على إعادة ترميم سيادة الدولة واستعادة علاقاتها التاريخية مع محيطها العربي والمجتمع الدولي.
ويشكل وجود شخصيات مثل جوزيف عون ونواف سلام في الواجهة السياسية اليوم فرصة ذهبية لإعادة التموضع.. هؤلاء القادة يدركون أن السياسة ليست شعارات حماسية أو حروباً بالوكالة، بل هي إدارة حصيفة للموارد، وحماية للحدود، وتأمين لمستقبل الأجيال القادمة.. إن التوجه نحو الواقعية السياسية يعني التخلي عن أوهام «المحاور الممانعة» التي لم تجلب سوى الدمار، والتركيز على مفاهيم الاستقرار والتنمية والسيادة الوطنية المطلقة.
التداعيات الاقتصادية والمسار نحو التعافي
تدرك القيادة الجديدة أن الاقتصاد هو المحرك الحقيقي للسياسة المستقرة.. لبنان اليوم في أمس الحاجة إلى استعادة الثقة العربية والدولية، وهو ما يفسره خطاب عون الذي عكس انفتاحاً مدروساً على الدول الفاعلة، بما في ذلك الولايات المتحدة ودول الجوار العربي التي لطالما كانت الداعم الحقيقي لاستقرار لبنان.. هذا التحول ليس مجرد تغير في الأشخاص، بل هو انقلاب على نهج «الارتهان» الذي أدى إلى تحويل الدولة إلى كيان عاجز.
إن المقارنة بين «عون» السابق و«عون» اليوم ليست مجرد تلاعب بالألفاظ، بل هي تشريح لحالتين متناقضتين: حالة الانغلاق التي أدت إلى «العتمة» الشاملة، وحالة الانفتاح التي تبحث عن ضوء في نهاية النفق.. إن الشعب اللبناني، الذي ذاق ويلات الأزمات، بات اليوم أكثر وعياً بأن استمرارية الدولة لا تتحقق إلا بفك الارتباط عن أطراف النزاع الإقليمي، والتركيز على بناء اقتصاد وطني صلب يعيد لبيروت دورها كمركز للنشاط والحيوية في المنطقة.