General News

إرث التجنيد الإلزامي: بين رؤية الدولة وعبث السياسة

يعد الحديث عن التجنيد الإلزامي في العراق ملفاً شائكاً لا يغيب عن الأروقة السياسية، حيث يطفو على السطح كلما دعت الحاجة لترميم صورة السلطة أو إشغال الرأي العام.

إن مشروع قانون التجنيد الإلزامي، الذي يُعاد طرحه بصيغ متكررة، يفتقر إلى الرؤية الاستراتيجية التي كانت تلازم هكذا مشاريع في التاريخ العراقي.. فعندما نعود إلى ما ساقه محمد الحلبوسي “الأب” سابقاً من مبررات حول بناء جيل منضبط ومتحفز للهوية الوطنية، نجد أن هذه اللغة تبدو بعيدة تماماً عن متطلبات بناء مؤسسة عسكرية محترفة في دولة تمتلك أصلاً تضخماً عدداً في قواها الأمنية والعسكرية.

التناقض بين الواقع والخطاب السياسي

تطرح تبريرات “الحلبوسيين” حول تعزيز قيم الانضباط والسيادة تساؤلات مشروعة حول جدوى هذا القانون في بلد يمتلك ترسانة بشرية هائلة من الجنود والشرطة وعناصر الحشد وجهاز مكافحة الإرهاب.. إن الربط بين التجنيد الإلزامي وبين تحسين الأخلاق أو تعزيز السيادة يبدو كحلقة مفرغة، خاصة وأن التحدي الحقيقي الذي يواجه الدولة ليس في نقص الأفراد، بل في كيفية إدارة المؤسسات القائمة وضمان استقلال قرارها الأمني.

من خلال قراءة المشهد التاريخي الذي قدمه المؤرخ عبد الرزاق الحسني، ندرك الفرق الجوهري في العقلية التي كانت تدير الدولة.. فقد كان جعفر العسكري، في عام 1927، يطرح قانون التجنيد الإجباري من زاوية اقتصادية بحتة، تهدف إلى تقليص الهوة التي تستنزف ميزانية الدولة وتطوير الاقتصاد الوطني، بعيداً عن الشعارات الرنانة التي يطلقها السياسيون اليوم.

إن التجنيد الإلزامي في العصر الحديث يتطلب دراسة أثرية اجتماعية واقتصادية شاملة، وليس مجرد استنساخ لخطابات قديمة. إن تكلفة إعداد مجندين جدد في بيئة تعاني من بطالة هيكلية وتحديات خدمية لا يمكن أن تُحل بتعليمات عسكرية فقط، بل تتطلب استراتيجية وطنية تدمج الشباب في سوق العمل لا في معسكرات التدريب.

في النهاية، يبقى هذا القانون ورقة سياسية تُستخدم للمزايدات، بينما يحتاج العراق فعلياً إلى إعادة هيكلة للمنظومة الأمنية المتضخمة بدلاً من إضافة أعباء جديدة على كاهل الدولة ومستقبل الشباب.. إن الفارق بين عقلية بناء الدولة وعقلية “صعاليك السياسة” يكمن في تغليب المصلحة الوطنية العليا على حساب المصالح الضيقة والخطابات الشعبوية التي تستهلك وقت البرلمان ولا تبني مؤسسات.