سعد محمد عبدالله: الساحل الإفريقي بين الوحدة والإنفصال.. قراءة لأزمة مالي

تحليل لأزمة مالي في أزواد والساحل الإفريقي، يربط بين ضعف الدولة، صعود النزعات الانفصالية والتطرف، ودور التدخلات الخارجية، وما يلزم لبناء السلام.
يعود الحديث عن “الساحل” كلما اشتدت نار التمردات والحروب، لكن هذه المرة تتجه القراءة نحو الأسباب الأعمق، لا مجرد تفاصيل المعارك.
يضع سعد محمد عبدالله أزمة مالي في قلب المشهد، ويقدّم—بمنطق سياسي—فهمًا يرى أن المشكلة لا تُختصر في تنظيمات مسلحة أو نزعة انفصالية بعينها، بل تتصل بعجز الدول في الساحل عن تحقيق السلام والاستقرار والتنمية المتوازنة بين الريف والمدينة.. ويذهب إلى أن غياب المواطنة المتساوية داخل دول متعددة الهويات يترك فراغًا يسمح بتوسّع التوتر، كما يراجع قدرة القوى السياسية والإعلامية على إنتاج خطاب وطني جامع قادر على تحريك الأمل بدل الإحباط.. في هذا الإطار، تصبح فكرة “مشروع الدولة” نفسها سؤالًا يوميًا، خصوصًا حين تتراجع فرص الحوار الموضوعي لصالح منطق القوة أو الانقسام.
لماذا أزواد تحديدًا تُعقّد معادلة السلام
يركّز التحليل على إقليم أزواد في شمال مالي، بوصفه مساحة تتقاطع فيها النزاعات التاريخية مع تحولات أمنية ودينية.. فمن جهة، تتداخل النزعات الانفصالية بين مجتمعات الطوارق والفولان والسونغاي، وهي توترات ممتدة منذ ستينيات القرن الماضي، ومن جهة أخرى تتصاعد عوامل جديدة مع صعود جماعات دينية متطرفة استغلت هشاشة الدولة واحتكاك المكونات المجتمعية.. هكذا لا يعود التمرد مجرد خلاف سياسي محلي، بل يصبح مشروعًا أوسع لتشويه مفهوم الدولة باعتبارها “كيانًا منتميًا لطرف دون آخر”، بما يكرّس أثننة الدولة بدل أنسنتها.
ومن هنا، يشرح سعد محمد عبدالله أن تداخل العوامل يفضي إلى صراع متعدد الطبقات: سياسيًا، وعرقيًا، ودينيًا، وأمنيًا.. ويشدّد على أن معالجة الأعراض وحدها لا تكفي، لأن أي محاولة للتهدئة قد تتحول إلى حل مؤقت إذا لم تُعالج جذور أزمة الثقة بين الدولة ومحيطها الاجتماعي.. بالنسبة للناس على الأرض، يظهر ذلك في شكل حياة أكثر هشاشة: حركة مضطربة، وخوف متكرر، وتعثر في الخدمات، وتمدّد دائرة فقدان المعنى من المشاركة العامة.
الساحل.. بين ضعف الدولة والتشابك الإقليمي والدولي
يشدد المقال على أن عدم الاستقرار في الساحل الإفريقي ليس حالة مالي وحدها، بل نمط مرتبط ببيئات أوسع: دول تعاني ضعفًا في قدرتها على إنتاج حلول، وتنحسر فيها فرص التنوير الفكري والحوار، في مقابل نمو إحباط مجتمعي يدفع بعض الفاعلين إلى الانسحاب من الفضاء العام أو تبني مشاريع انفصالية باعتبارها بديلاً عن فشل المشروع الوطني.. ومع مرور الوقت، يتغذى هذا المسار على مناخ استبدادي يقمع الحريات ويقصي قوى من صناعة القرارات.
ويضيف سعد محمد عبدالله أن التشابك يمتد أيضًا إلى مستوى الإقليم.. فالصراع في مالي يتقاطع—وفق قراءة المقال—مع قضايا إقليمية مثل نزاع الصحراء الغربية وما يحمله من حساسية سياسية بين جبهة البوليساريو والمملكة المغربية، حتى لو كان الجدل حول حجم التأثير الخارجي حاضرًا.. كذلك تشير القراءة إلى أن الخلافات بين دول الجوار ليست مجرد خلفية دبلوماسية، بل تُسهم في تعقيد الترتيبات الأمنية وتحديد من يتعاون مع من، وفي أي توقيت.. وفي المشهد الأوسع، تُستدعى أمثلة عن انفصالات أو نزاعات داخلية شهدتها دول إفريقية، بما يجعل سؤال “كيف تُبنى الدولة؟” يتكرر بصيغ مختلفة.
ومن الجانب الأمني، لا يغيب عامل المجموعات المسلحة العابرة للمناطق، حيث يجري—في أطراف المشهد—ربط الحركات الانفصالية بجماعات متطرفة، ما يُحوّل السيطرة على الأرض إلى معادلة متعددة الأطراف.. ومع غياب تفسير دستوري واضح ينظم الأبعاد ويُزيل المخاوف حول مستقبل الأقاليم، يصبح احتمال استمرار العنف أعلى.. هنا تتضح الفكرة المركزية للتحليل: من دون إطار شرعي وسياسي يطمئن الجميع، سيصعب ترسيخ سلام مستدام.
ما الذي يعنيه ذلك لفرص الوحدة وبناء المؤسسات؟
في الجزء الأكثر تحليلًا، يربط سعد محمد عبدالله تنامي الحركات الانفصالية بضعف الدولة الوطنية وبقدرتها المحدودة على احتواء التنوع داخل إطار جامع.. كما يحذر من أثر تدخلات خارجية تستغل هشاشة الأوضاع لتحقيق مصالح في مجالات متعددة، سواء عبر دعم وتسليح أطراف أو عبر السيطرة على موارد استراتيجية تحت شعارات بعيدة عن قضايا الناس.. ووفق هذا المنطق، فإن النتيجة المعتادة هي تعميق الانقسامات وتقهقر نفوذ الدولة، ثم نشوب صراعات أكثر حدّة.
لكن المقال لا يقف عند التشخيص فقط؛ بل يحاول رسم اتجاه.. إذ يرى أن تعزيز الوعي الوطني وترسيخ حلم مشترك قائم على الوحدة رغم التنوع هو شرط أساسي، وأن السلام يتطلب مشاركة عادلة في السلطة والثروة، مع تواصل اجتماعي وثقافي يخفف من منطق “نحن ضدهم”.. وفي المقابل، يُطرح مطلب مواجهة جذور الأزمة عبر سياسات تنموية شاملة تُقلّص الفقر والتهميش وتحد من جاذبية التطرف والانفصال.. ويُركز التحليل على فئات الشباب والنساء باعتبارها ركيزة لأي إعادة بناء حقيقية، لأن الحرمان المزمن يفتح المجال لمن يبيعون السلاح كحل سريع.
وبالنسبة لمستقبل الساحل، تصبح مسألة إعادة بناء المؤسسات العسكرية والمدنية والقضائية، وتعزيز شرعيتها، محورًا لا يمكن الاستغناء عنه.. ويشدّد سعد محمد عبدالله على أن الوحدة لا تُفرض بالقوة ولا تُترك بسهولة، بل يجب أن تقوم على العدالة والمساواة والاعتراف بالتنوع التاريخي والمعاصر، مع ضمان الحقوق السياسية والمدنية للمجتمعات.. منطق كهذا—لو تم تبنيه—يحوّل الخلاف من صراع وجودي إلى تفاوض حول شكل الدولة ودورها.
في النهاية، يختتم المقال بأن نجاح أي مشروع في مالي والساحل سيعتمد على قدرة الشعوب والقيادات على الإجابة عن أسئلة الواقع: كيف تُبنى الدولة؟ وكيف يُعاد تعريف العلاقة بين المركز والأقاليم؟ وكيف تُفتح بوابة حوار عريض يقوم على الشفافية والوضوح؟
إذا كان المشهد الحالي يشبه طريقًا طويلًا من التعقيد، فإن القراءة التي يقدمها سعد محمد عبدالله ترى أن تحويل مسار الصراع إلى فرصة لبناء دولة أكثر تماسكًا ممكن—لكن بشرط توفر الإرادة السياسية والرؤية الواضحة، وبشرط تعاون إقليمي ودولي يحترم السيادة ويدعم جهود الاستقرار والتنمية دون تحويل الأجندات إلى حصار سياسي..