محمد نور الدين بن خديجة: زمان الوصل تحاور الفنان التونسي محمد بحر

في حوار ضمن “زمان الوصل”، يستعيد الفنان التونسي محمد بحر مسار الأغنية الملتزمة، أسباب تراجع التجربة، ودور الإعلام والفضاء الرقمي رغم محدودية الإمكانيات.
تبدو “زمان الوصل” في حديثها كأنها بيت ضيافة؛ صلة رحم تربط الإبداع بالناس بعيدًا عن الرياء، وتفتح بابًا لحوار لا يكتفي بالكلام.
وسط هذا الإطار، تأتي حلقة حوار مع الفنان التونسي محمد بحر، أحد رواد الأغنية الملتزمة في تونس. محمد بحر، المولود سنة 1957، لم يأتِ إلى المشهد الفني كفنان يكتفي بالعرض، بل كصوت يرى أن الغناء يمكن أن يكون مواكبة للهموم اليومية والسياسية والاجتماعية، لا مجرد وصف عاطفي مُعاد تدويره.
بحسب ما يرويه بحر، فإن بذرة “التمرد” على نمطية الأغنية السائدة في تلك المرحلة لم تولد فجأة، بل بدأت من أواخر سنوات الدراسة في المعهد الثانوي، حين برز لديه الوعي بالفوارق الاجتماعية؛ فقر وعدم مساواة، ثم اتسع المعنى داخل الجامعة مع حركة طلابية واحتكاك بالحياة العامة.. ومن هناك، كما يقول، صار الإيقاع الفني مرتبطًا بطموح جيل يبحث عن الحرية والمساواة والعدالة الاجتماعية.
عندما يتحدث بحر عن التحولات التي عرفتها التجربة في السبعينات وما بعدها، لا يتناول الأمر كقصة “نجاح ثم توقف” فقط، بل كمنظومة تتعرض لضغط متعدد الجوانب.. يضع الانحصار في صورة “حصار كبير” يطال نشر التجارب الغنائية البديلة؛ فغياب الانتشار الإعلامي يجعل التجارب غير حاضرة بالشكل الكافي، كما أن الجمهور نفسه تغيّر.. وفي نظره، كانت الجامعات سابقًا فضاءات أوسع لتداول هذه الأعمال، بينما اليوم يتحدث عن ركود ثقافي وانكماش فكري وسياسي داخلها.
هذا ما يجعل الحوار يمسك بخيط حساس: علاقة النقد بالاستمرارية.. بحر لا ينكر وجود نقاد موسيقيين بدرجات مختلفة، وغالبًا ما يكونون من الأكاديميين، كما يقرّ بأن النقد الصحفي ساهم في التعريف ببعض التجارب.. لكنه يعيد المشكلة إلى ما هو أوسع من صفحات المقالات: الحصار الممنهج وقلة الإمكانيات التي تحول دون نمو المشهد البديل وازدهاره، وتجعله محصورًا في مساحة أصغر من قدره.
وفي مواجهة سؤال عن العبء الذي يتحمله “الفنان الملتزم” عندما تغيب المؤسسات الثقافية الفنية التنويرية وقنوات الدعم، تأتي الإجابة على شكل تأكيد على شرط الاستمرار لا على انتظار المعجزة.. بحر يربط بين غياب المؤسسات وبين خنق التجارب، لكنه في الوقت نفسه يشدد على فكرة الثبات والمواصلة: العمل والاجتهاد والصمود، ومواجهة أشكال الرقابة والعراقيل.. الرسالة هنا ليست استسلامًا، بل قناعة بأن الطريق الذي اختاره كان صادقًا ولا يزال.
ومن زاوية تونس تحديدًا، يلفت الحوار إلى نقطة تشبه الظاهرة: الاهتمام الشعبي بالأغنية الجادة/البديلة، وما ارتبط به من حركة مسرحية وسينمائية وشعرية وسياسية.. يتحدث بحر عن حركية غذّتها رغبة جامحة في تغيير الواقع، وعن وجود “حاضنة” متعطشة للجديد والمختلف، وهو ما سمح بظهور تجارب متنوعة وخلاقة.. وفي هذا السياق، يذكر حضور أسماء متعددة وإشارة إلى التفاف الجمهور حول تجربة الشيخ إمام رغم مرور الزمن، بما يشبه إنشاء أندية تواصل الاهتمام.
لكن لماذا يبدو اليوم أن المتابعة تتراجع لصالح تسجيلات “التواصل الاجتماعي” فقط؟ بحر يرجع ذلك إلى تغير شروط إنتاج العمل وتوزيعه.. يشرح أن تجربته في فرنسا وفرت له فرص اللقاء بالمهاجرين المغاربيين والعرب عبر لقاءات مع جاليات عمالية وطلابية في هولندا وبلجيكا، وأن الهجرة ساهمت في وصول صوته خارج حدود محيطه.. ثم يذكر أن الثمانينات كانت فترة توافرت فيها فرص لتسجيل الجديد، بوجود إذاعات حرة ساعدت على نشر هذه الأغاني.. أما الآن، فتقلصت الإمكانيات، وبقيت المنصات الرقمية متاحة، ولو بتسجيلات محدودة التقنية.
هنا تظهر المفارقة العملية التي تلمس جمهورًا بعينه: التسجيل بالهاتف الجوال لا يقدم دائمًا نوعية صوتية تسمح بوصول واسع لمستمعين تربوا على تلقي الصورة والصوت بتقنيات أعلى.. هذا لا يعني انغلاق الباب، لكنه يفسر لماذا قد ينحصر الحضور في دائرة “متاح على السوشيال” أكثر من كونه يصل إلى مستويات إنتاجية تعيد بناء جمهور جديد.. مع ذلك، يضع بحر شرطًا واضحًا: المقاومة بدل التوقف، والطمح إلى إمكانيات أفضل دون تعليق الحياة الفنية على توفرها.
في الختام، لا يمر الحوار على أسماء بعفوية.. فعندما سُئل عن الهادي كلة، وحمادي العجيمي، ومجموعة البحث الموسيقي، جاءت الإجابة بتقدير واضح لدورهم المؤثر في إثراء التجربة ونشرها بالصمود.. ويُضيف بحر جانبًا إنسانيًا مهمًا: علاقات صداقة وغناء مشترك في مناسبات متعددة، لأن الأغنية البديلة عنده ليست مشهدًا تنظيريًا بقدر ما هي شبكة علاقات تتشكل من صداقة ومواقف مشتركة.
إذا كانت “زمان الوصل” قد رفعت سقفها إلى “حرية” تجمع بين الفن والناس، فإن رسالة محمد بحر لمحبي الأغنية البديلة تأتي بصيغة دعوة للقاء جديد: تحيات للأصدقاء والصديقات في المغرب وخارجه، ورغبة في أن يتجدد اللقاء غناء وفنًا للحرية والحياة عن قريب.