Bahrain News

مجزرة سحب الجنسيات.. شرهُ السلطة لا ينتهي

قرار حكومي في البحرين بإسقاط جنسيات نحو 69 اسمًا يثير مخاوف من توسيع الحملة ويمس عائلات وأطفالًا، وسط جدل قانوني حول غياب التحقيق وإقصاء القضاء.

مرّت أسابيع على خطاب تصعيدي وطابع تحريضي في البحرين، ثم جاءت خطوة حكومية تُحوِّل التهديد إلى إجراء مباشر: حملة إسقاط جنسيات طالت أسماءً واسعة، وبينها علماء دين وشخصيات مهنية وفنية، بما يوحي بأن “الملف” لم يُغلق بل بدأ للتو.. وفي قلب هذا المسار يتحدث كثيرون عن رسالة سياسية تُدار بمنطق العقاب الشامل، لا بمنطق القانون.

تقول المعلومات الواردة من داخل المشهد البحريني إن مجلس الوزراء دشّن حملة تستهدف 69 اسمًا بعد توجيه من ملك البلاد حمد بن عيسى آل خليفة بالبحث في “من يستحق المواطنة ومن لا يستحقها”، مع تبرير يرتكز إلى الاتهام بـ”خيانة الوطن أو المساس بأمنه واستقراره”، على خلفية تصاعد التوترات الإقليمية وحرب الولايات المتحدة وإسرائيل ضد الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وما رافق ذلك من ضربات طالت مصالح وقواعد أمريكية بحسب ما يرد في سياق القرار.. لكن أثر “التبرير” لم يبقَ في نطاق الأسماء المستهدفة وحدها؛ بل امتد إلى عائلات كاملة.

إسقاط الجنسية… وامتداد الضربة إلى العائلات

وفق ما تناقلته جهات معارضة، فإن قائمة المشمولين ضمت علماء دين ومنشدين وقوى مهنية واجتماعية، من رجال ونساء ومن مختلف الأعمار، وبينهم أطفال.. الأهم هنا ليس الرقم وحده، بل ما يترتب عليه إداريًا وإنسانيًا: حذف عوائل من السجل المدني يعني تغييرًا جذريًا في حقوق يومية، ويُحوِّل حياة الناس من مسار طبيعي إلى حالة ترقّب وتعليق مستقبل.

تصف جمعية الوفاق الوطني الإسلامية ما حدث بأنه “إعدام معنوي ومدني لعوائل بأكملها”.. هذا التعبير لا يقتصر على شعور بالظلم، بل يلتقط أثرًا اجتماعيًا واضحًا: عندما تمتد القرارات إلى الأطفال، تتسع دائرة الارتباك بدلًا من أن تتقلص، وتتحول إجراءات يفترض أنها قانونية إلى ما يشبه عقوبة جماعية في أعين المتضررين.

اللافت أيضًا أن القرار اتُّخذ—بحسب ما ورد—دون تحقيق مع المتضررين، ومن خارج النطاق القضائي، وهو ما يضعف لدى الناس المعنى الأساسي للعدالة: سماع الطرف الآخر وفحص الوقائع.. هنا تظهر نقطة حساسة للقارئ العادي قبل أي نقاش قانوني: كيف يمكن لمسار حقوقي أن يُختزل في قرار إداري بينما المصير يتعلق بهوية الإنسان ومستقبله؟

جدل قانوني ومخاوف من توسيع الحملة

في الوقت الذي تبرر فيه السلطة ما جرى باعتبارات “أمنية” و”استقرار”، يتحدث القانونيون عن وجود إشكالات جوهرية.. من أبرزها أن قرار إسقاط الجنسية صدر عن الحكومة—وتحديدًا عبر وزارة الداخلية—ثم طُرح بوصفه إجراءً لا يخضع للضمانات القضائية.. ويُضاف إلى ذلك اعتراض على فكرة إسقاط الجنسية بالتبعية، لأن القانون—بحسب ما يُقال—لم ينص على هذا التنظيم بالشكل الذي تُطبق به الإجراءات.

هذه التفاصيل ليست ترفًا لغويًا؛ إنها تمس طريقة ضبط السلطة لنفسها.. فإذا كان القضاء حاضرًا كمرجعية لحقوق الأفراد، فإن غيابه عمليًا يغير قواعد اللعبة.. وعندما تترافق الخطوة مع استبعاد سلطة القضاء من صلاحيات منح وسحب الجنسية—وفق ما ورد عن تعديل على قانون الجنسية رفعه مجلس النواب—فالمخاوف تتضاعف لأن الباب يصبح مفتوحًا أمام قرارات تُدار بحرية أكبر وبقدرة أقل على المراجعة.

ولهذا يراقب كثيرون ما إذا كانت الدفعة الحالية نهاية فعلية أم بداية سلسلة. البيان الرسمي—كما ورد—يتحدث عن استمرار الجهات المختصة في “دراسة ومراجعة من يستحق شرف الجنسية ومن لا يستحقها”، وهي عبارة تُقرأ لدى الناس على أنها وعد غير مباشر بأن هذا الملف ليس مؤقتًا.

# لماذا يهم هذا المشهد؟

القضية هنا تتجاوز حدود الخلاف السياسي.. إسقاط الجنسية ليس قرارًا يطال “اسمًا” فقط، بل يطال شبكة كاملة من الحقوق: التعليم، الإقامة، العمل، والتنقل، وحتى شكل الارتباط بالمجتمع.. وعندما تتحول الدولة إلى طرف يحدد “الاستحقاق” وفق معيار عام وغير قابل للاحتكام، فإن العلاقة بين المواطن والكيان تتحول من علاقة قانونية إلى علاقة خوف وإذعان.

توجد أيضًا مفارقة اجتماعية لافتة: بينما تمس قرارات إسقاط الجنسية عائلات “تعيش على الأرض” منذ زمن، فإن سياق آخر يذكر—ضمن النقد الموجه للسلطة—استقدام أعداد كبيرة من جنسيات للعمل ضمن الأجهزة الأمنية.. من منظور اجتماعي، هذه المفارقة قد تُغذي شعورًا بأن التقييم ليس قائمًا فقط على “الولاء للوطن”، بل على حسابات السلطة وقدرتها على إدارة الولاءات.

إعلام التحريض… والخطوة التي تُترجم التهديد

توضح الوقائع أن حملة دعائية سبقت القرار.. تم تسليط الضوء عبر الإعلام لتهديد فئات مجتمعية واسعة، ثم جرى الدفع نحو مسار تشريعي يستبعد القضاء من منح وسحب الجنسية.. هذا التتابع—تحريض إعلامي ثم قرار إداري ثم تعديل قانوني—يعكس نمطًا في إدارة الصراع: تحضير الرأي العام قبل اتخاذ الإجراء، وتقليل فرص الاعتراض عبر خلق مناخ يرى فيه الناس أن “القرار مفروض”.

شره السلطة لا ينتهي… وماذا بعد؟

حين تذهب السلطة إلى خيار يمس الهوية الأسرية للأطفال والعائلات، فإنها لا تخاطر فقط بالتماسك الاجتماعي، بل تُخاطر بتعميق الهوّة بين الدولة وأفراد المجتمع. وفي التجارب السياسية عمومًا، كلما اتسع نطاق العقاب الإداري على حساب الضمانات، زادت احتمالات التحول من احتجاجات سياسية إلى صدمة إنسانية طويلة الأمد.

في النهاية، تُقدَّم الخطوة على أنها حماية للنظام واستمرار له.. لكن الترهيب واستعداء الناس—وفق القراءة التي يتبناها كثيرون في الداخل—لا يصنعون ديمومة، بل قد يؤجلون الانفجار فقط.. والدرس الذي يتكرر في دول عانت من منطق “الآمر والناهي”—هو أن الاستقرار الحقيقي لا يُبنى على تهديد الهوية، بل على دولة قانون تضمن الحقوق قبل أن تُسحب من الناس.

وفي البحرين، تبدو المرحلة المقبلة مفتوحة على أسئلة ثقيلة: هل تستمر المراجعات؟ وهل تُوجد مسارات حقيقية للطعن والمراجعة أم ستظل قرارات السحب خارج حسابات القانون؟ ما يحدث الآن لا يترك أثرًا إداريًا فحسب، بل يرسم ملامح علاقة جديدة بين المواطن والسلطة، علاقة تُختبر كل يوم في تفاصيل الحياة اليومية.