ماجد احمد الزاملي : التكييف القانوني للواقعة الاجرامية يحدّد مصير القضية

دراسة تشرح حدود سلطة القضاء في التكييف القانوني للوقائع، وكيف ترتبط العدالة الجنائية بمطابقة النص مع الواقعة، وما تأثير التكييف الخطأ على الاختصاص والضمانات.
يتقاطع التكييف القانوني مع جوهر العدالة الجنائية؛ لأنه يحدّد الوصف الذي تُفهم به الواقعة أمام المحكمة، وما يترتب عليه من إجراءات وعقوبة محتملة.
وتتناول دراسة قانونية حملت اسم ماجد احمد الزاملي، فكرة دقيقة لكنها شديدة الحساسية: إلى أي مدى تملك السلطة القضائية هامشاً في “تكييف” الوقائع، ومتى يتحول هذا الهامش إلى تجاوز ينعكس عيباً في القرار أو خللاً في مسار الدعوى.. فالتكييف يظهر—بحسب عرض الدراسة—عندما يقوم وكيل النيابة أو القاضي بإجراء منطقي يتمثل في مطابقة النص القانوني للواقعة المعروضة، تمهيداً لبدء مسار الدعوى الجزائية، بدءاً من التحقيق الابتدائي الذي يوصف بأنه مؤقت وغير مُلزم لمحكمة الموضوع.
وتلفت الدراسة إلى أن التكييف لا ينبغي أن يكون لعبة لغوية أو “ترجمة” شكلية للوقائع، بل عملية مقيدة بحدود الدعوى؛ أي بالوقائع التي رفعت بها الدعوى دون إضافة، وبالأشخاص الذين طُرحت ضدهم، وفق ما يقتضيه مسار التقاضي.. هنا تتضح نقطة مهمة: إذا تم تجاوز هذه الحدود في الوصف القانوني، فإن الخلل لا يبقى نظرياً، بل ينعكس عملياً على الاختصاص القضائي، وسرعة الفصل، وحتى الضمانات التي يتمتع بها المتهم تبعاً لنوع الجريمة.
ومن زاوية تحليلية أوسع، ترسم الدراسة تفريقاً بين مراحل التكييف: تحقيق ابتدائي يضع تصوراً مبدئياً، ثم تحقيق نهائي أمام المحكمة المختصة يرسخ الوصف النهائي الذي سيُبنى عليه الحكم.. وفي السياق نفسه، تُبرز الدراسة دور القاضي—خصوصاً في الرقابة على قرارات الإدارة التأديبية—بوصفه جهة تُنزِل حكم القانون على الواقعة بعد التحقق من ثبوتها، ثم مراقبة مدى تطابق تكييف الإدارة مع القانون.. وتؤكد أن القاضي لا يكتفي بالتحقق من “وجود الوقائع” مادياً، بل يفحص أيضاً “مدى توافر الخطأ الوظيفي” فعلياً، لأن الجزاء التأديبي يتوقف على عنصر الخطأ بقدر ما يتوقف على الوقائع.
أما في صلب التكييف الجنائي، فتطرح الدراسة مفهوماً يفسر كثيراً من حالات الالتباس القضائي: التكييف الصحيح ضمانة، لكن التكييف الخاطئ قد يمس حقوق المتهم مباشرة.. فالخطأ في الوصف القانوني قد يغيّر مسألة توقيفه من عدمه، وحدود إمكانية الإفراج بكفالة، ويمس حتى شكل المذكرات والإجراءات (مثل أمر القبض أو ورقة التكليف بالحضور)، لأن كل وصف قانوني يحمل ضمانات مختلفة.
وتشرح الدراسة أن الجريمة لا تقوم على الأفكار وحدها، بل تحتاج إلى ظهور عناصرها إلى العالم الخارجي من خلال سلوك مادي—إيجابي أو امتناعاً—يخلق نتيجة جرمية، مع رابطة سببية تربط بين السلوك والنتيجة.. وبقدر ما يتم استكمال العناصر الثلاثة (الركن الشرعي والركن المادي والركن المعنوي وفق ما تتناوله المعالجات الفقهية والقضائية)، يكون بناء الجريمة صالحاً أمام المحكمة؛ بينما يؤثر نقص أي عنصر على نوع الحكم أو وصف الفعل.
وتتوقف الدراسة أيضاً عند فكرة “الجريمة المستحيلة”، بوصفها حالة تتشابه في ملامحها مع الشروع التام: إرادة الفاعل تتجه إلى تحقيق نتيجة جرمية، لكنه يستنفد ما يستطيع من نشاط لتحقيقها، ومع ذلك يستحيل تحقق النتيجة.. وتعرض الدراسة أن مختلف التشريعات—وفق عرضها—لم تضع تعريفاً موحداً للجريمة المستحيلة، بل تركت ذلك للفقه والقضاء، بينما اكتفت بعض النصوص بالإشارة إلى العقوبات المقررة لها دون تعريف دقيق.. ويُفهم من ذلك أن التكييف هنا يصبح أكثر تعقيداً لأن المحكمة تضطر للتمييز بين ما يتحقق وما يستحيل، وبين حدود المسؤولية عندما تكون النتيجة “غير قابلة للتحقق” رغم الفعل.
وفي جانب مهم يتعلق بتطور السياسة الجنائية، تشير الدراسة إلى أن العقاب لم يعد مجرد أداة انتقام، بل صار يتصل—بحسب ما تحاول الدراسة استيعابه—بفكرة الردع والتناسب والتفريد القضائي.. كما تربط بين تطور الظاهرة الإجرامية وبين تطور المجتمع نفسه، فتشير إلى أن ظهور أنماط جديدة من الجرائم، مثل الجرائم الإلكترونية والجرائم الاقتصادية، يفرض على أجهزة العدالة أن تتعامل مع وقائع أكثر تعقيداً، وبالتالي تحتاج إلى تكييف أدق وأكثر التزاماً بالمنطق القانوني.
ولتعزيز الفكرة، تعتمد الدراسة على جوهر “القناعة القضائية” كإطار ذهني وعملي لسلامة التكييف: القاضي لا يشتغل فقط على النصوص، بل على أدلة تمكّنه من معرفة عناصر النموذج القانوني للجريمة وعناصر الواقعة، ومن ثم تحديد التطابق بينهما.. وتقدم الدراسة إشارات إلى قرارات قضائية تتعلق بعدم كفاية الأدلة أو بتقييمها، بما يوضح أن التكييف لا ينفصل عن الإثبات وفعالية الدليل.
وفي النهاية، تحاول الدراسة أن تقول شيئاً بقدر ما هو قانوني، فهو أيضاً واقعي: التكييف ليس ترفاً نظرياً ولا مجرد تصنيف للفعل، بل هو طريق يربط بين النص والواقع وبين ضمانات المتهم ومآلات الدعوى.. وكلما كان التكييف ملتزماً بحدود الدعوى وبأركان الجريمة وبسلامة الأدلة، كانت العدالة أقرب إلى مقصدها؛ أما عندما يصبح التكييف مفرطاً في التوسع أو غير منضبط، فإن المخاطر تتحول إلى قرارات قابلة للنقض وربما إلى إهدار لحقوق إجرائية أساسية—وهو ما يضع على عاتق القضاء مهمة دقيقة لا تحتمل التراخي.