Iraq News

فاتورةُ الضوء: علي مقلد يرسم مدينة تُحاسَب على النور

قصيدة “فاتورة الضوء” لعلي مقلد تلتقط يومًا بملامحه القاسية: طابور خبز، ظلال رابضة، وخوفٌ يتصبب… كأن الصباح “دمغة” على جرح وضياء يُباع بثمنٍ باهظ.

في قصيدة “فاتورة الضوء” للشاعر علي مقلد، تبدو الحياة اليومية كأنها تُمرَّر عبر فاتورة لا يراها أحد بوضوح، لكن الجميع يدفع ثمنها.

تبدأ الرابعة فجراً بصورةٍ مألوفة لكنها محمّلة بالوجع: أبٌ يغسل وجهه بماءٍ من “الذهول”، وأمٌّ تزيل بقايا العتمة عن عيون صغارها، وكأن الضوء نفسه ليس نعمةً جاهزة، بل مهمة يومية تُنجز قبل أن يبدأ النهار.. في الخلفية، يتشكل مشهد الطابور كعادة قاسية: “طابور الخبز” ليس مجرد تفصيلة، بل علامة على أن الوقت صار سلعة، وأن الضوء—إن جاء—لا يأتي مجاناً.

المفارقة أن القصيدة لا تتعامل مع “فاصلة سقطت سهواً من نص ممل” بوصفها خطأ لغوياً فقط، بل كتعبير عن حياة تُختصر وتتآكل.. حين تتغذى شخصية ما “على ملح الصرخة كي لا تخدش أنف المخمل”، يصبح الألم طريقة للنجاة، لا لحظة اعتراض.. هنا تتدخل الحساسية الاجتماعية: هناك من يعيش قرب المخمل، وهناك من يتعلم كيف يخفض صوته كي لا يزعج راحة الآخرين—حتى لو كان الجوع يطرق الباب.

على الرصيف الموازي، تتحول المدينة إلى سجلٍ مفتوح تتسرب منه الأعمار فوق خشب المقاعد.. الصور كثيفة: أعمارٌ “تسيل” وتُحنَّط في صَدأ الورق، كأن الوقت لا يمرّ بل يتراكم في هيئة أوراق مُهترئة.. ثم يبرز الظل بوصفه خصماً متربصاً في شرفة السهر: ينتزع الأشياء من مسطرة الوقت، ويجترّ أرباح العتمة على سرير من قلق.. هذا الظل لا يكتفي بالحزن، بل يشبه نظاماً يشتغل—صمتٌ يلوك الصمت، وربحٌ يُحسب على حساب إنسانٍ يئن للوسادة.

تتسع القصيدة فجأة لتفاصيل أكثر حداثة: في ضباب العزلة المشتراة، يرقص دخان “الفيب” الفراغ، وتُصفع العطور الوجوه الشاحبة.. المشهد هنا لا يهدف إلى التشهير، بل إلى كشف التناقض: كيف يمكن لأدوات الترفيه والهروب أن تُستخدم لتلميع فراغٍ لا يُملأ؟ وكيف تتداخل “العزلة المشتراة” مع وجوه لا تزال تبحث عن سبب للضوء؟

الضوء يُدار كأنه دين

عند المفترق، على عتبة الزحام، تتشظى صورة الكبرياء: صرخة وضحكات زجاج.. في هذا المكان الضيق الذي يختلط فيه كل شيء، لا يبقى سوى الخوف—خوفٌ يتصبب من ثقوب الجلد.. القسوة هنا ليست وصفاً مباشراً لمرض أو حادث بعينه؛ إنها استعارة لجسد مُستنزف، لناسٍ لا تجرحهم العتمة فقط، بل طريقة تعامل المدينة مع البشر حين يركضون في الوقت نفسه.

في منتصف الليل، ترتفع الإيقاعات حتى يصبح المساء نفسه مضطرباً.. الساقية تئن كي لا يسكُن الدوران، والسيارة تمضي تاركة وراءها فكرة مريرة: زحام لا يتوقف، وطريق تُنهب أعمارُه دون رحمة.. ثم تظهر لحظة المواجهة الرمزية بين الريح والمدينة: “امحِ من نتوءات الشوارع ضجيج الأحلام!”—كأن الأحلام ما تزال تصطدم بالحفر والنُتوءات، فتتحول إلى ضجيج مؤذي بدل أن تكون طريقاً للنجاة.

لماذا تبدو “فاتورة الضوء” أصدق من مجرد قصيدة؟

هنا ينكشف جوهر عنوان “فاتورة الضوء”: الأب الذي يقف في مهب الغبار يعدّ أنفاسه كما يعد النقود.. ليس هذا مجرد حزن فردي؛ إنه نموذج حياة حين يصير القياس المالي هو اللغة الوحيدة للوجود.. القصيدة تقايض بين “الظل” وما تبقى من رئتيه، وتقدّم صباح المدينة على نحو مُختلف عن وعد الميلاد: الصباح “دمغة” على جرح، ضريبة إضافية تستنزف رصيد البقاء..

معنى النهاية: ضياء مؤجل… وثمن دائم

في النهاية، لا تقدم القصيدة خلاصاً سهلًا، لكنها تُنتج نوعاً من الوعي: حين يصبح الضوء فاتورة، تتحول الحياة إلى حسابات قاسية، وتصبح العتمة عادةً لا تُستأذن.. المسألة ليست في غياب النور فقط، بل في أن المدينة—بكل تفاصيلها اليومية—تفرض على الناس أن يدفعوا ثمنه في وقتهم وصحتهم وحريتهم.. Misryoum يقرأ هذا النص كتنبيهٍ شعري: الألم حين يُعاد إنتاجه صباحاً ومساءً يصبح نظاماً، والوعي وحده لا يكفي ما لم يتحول إلى فعل يوقف الاستنزاف قبل أن يصير “النسيان” أغلى من الحياة.