حلم فاني المقاومة بصياغة وثائقية.. جان كريستوف يو يكشف الرسالة من لييج

في حوار مع جان كريستوف يو، يروي مخرج فيلم «حلم فاني» كيف تحوّل دفتر شعر والدته والذاكرة الشخصية إلى فيلم عن المقاومة: “لا تستسلموا”.
تبدو تفاصيل صغيرة كأنها لا تغيّر شيئاً… ثم تكتشف أنها كانت البداية. هكذا ينطلق جان كريستوف يو، مخرج الفيلم الوثائقي «حلم فاني»، من لييج ليصنع عملاً عن المقاومة لا بوصفها شعاراً فقط، بل كطريقة حياة.
المقاومة في «حلم فاني» تبدأ من دفتر شعر
يرى يو أن المقاومة ليست مفهوماً واحداً، بل تتوزع على صيغ سياسية وعمالية وثقافية، من دون أن تنفصل عن الإنسان.. فيلمه الجديد، وفق حديثه، يروي حكاية جدّيه لأمه بول وجين، ثم قصة والدته فاني، وفي الخلفية تمتد “قصة بلجيكا” بوصفها مرآة للإنسانية: من نضالات العمال إلى المكاسب الاجتماعية الأولى، ومن معسكرات الاعتقال إلى التحرير، ومن ثقافة النخبة إلى محاولة نشرها على نطاق أوسع، ومن التفاوت بين الجنسين إلى قدر أكبر من المساواة.
من الصدفة إلى قرار الإخراج: أرشيف قليل وقرار بإعادة تمثيل
لكن كيف وُلد المشروع؟ يتحدث يو عن مسار غير خطي.. بعد أن أنهى فيلمه السابق عن حياة جده الصيني، عاد إلى شقته التي وصفها بأنها “فوضوية حتى حين تكون مرتبة”.. بين الصور والكتب، كان هناك دفتر شعر والدته… داخل الدفتر رسومات واقتباسات مليئة بالحيوية.. أكثر ما علق في ذهنه رسمة بسيطة: والدته ترسم شعوب العالم وهم يمسكون بأيدي بعضهم في دائرة أخوية.
يضع يو هذه اللحظة في سياق ما بعد الحرب؛ حين كان شعور كثيرين أن الإنسانية انتصرت، والحرب انتهت، وأن المستقبل صار ممكناً.. يجاور الرسمة صورة لوالديه في شهر عسلهما بإيطاليا، حيث كانت والدته تنظر إلى السماء.. وبمقارنة الاثنين معاً، وصل إلى فكرة مركزية: “فاني تحلم” — تحلم بعالم آخر — ومن هنا شعر برغبة ملحّة في سرد القصة.
في اختيار الأسلوب أيضاً، لا يقدّم يو حجراً واحداً على حجر.. يقول إن الصور الأرشيفية التي تلتقط المقاومة قليلة جداً، وأن كثيراً مما يُعرض عنها بعد الحرب يكون غالباً إعادة تمثيل للأحداث نفذها مقاتلو المقاومة أنفسهم.. هي حقيقية وخيالية في الوقت نفسه، لذلك استخدم الأرشيف، لكنه وجد أن الاعتماد عليه وحده لا ينقل الفترة كاملة.. النتيجة كانت قراراً بإعادة تمثيل بعض المشاهد اليوم، لإيصال “شكل مختلف من الرواية” بدل الاكتفاء بسرد مكتوب أو عرض تقني للصور.
لماذا نعود لقصص المقاومة؟ لأن النضال لم ينتهِ
سؤال “لماذا نستمر في سرد هذه القصص؟” يعود عند يو إلى المعنى العملي للأرشيف العائلي والسياسي. يقول إن تاريخ أجداده يجب أن يساهم في نضالات اليوم وغداً، وأنه مصدر إلهام للأجيال القادمة. لكنه لا يقدّم المقاومة كرمز بطولي مبسّط؛ بل يراها متصلة بنضالات الحاضر: عمالية، مناهضة للفاشية، ونسوية.
هنا تتضح رسالته الأساسية: النضال “أبدي”، لا بمعنى الصراع المستمر دون توقف فقط، بل بمعنى نشر الوعي وعدم الاستسلام.. يتحدث يو عن أن التراجع قد يحدث، لكن أسوأ شيء أن يترك الإنسان نفسه ينجر مع التيار السائد—التيار “الليبرالي المائل للفاشية” كما عبّر—بدلاً من العمل.. وفي هذا الإطار، يرفض فكرة الراية البيضاء حتى عندما يبدو المشهد قاتماً.
ولكي يشرح طبيعة الواقع داخل الاحتلال، يورد حكاية من صديقه: ليس الجميع كانوا ضد النازيين، فهناك نسبة صغيرة متعاونين، ونسبة أقل مقاومين، ونسبة كبيرة ممن لم يكن يعلم أو لم يرغب في المعرفة أو كان مستسلماً.. ومع ذلك، فإن الـ10% من الذين انتصروا — وفقاً للحكاية التي ينقلها — تمنح درساً مؤلماً: القوة لا تأتي من الأغلبية دائماً، بل من قرار أخلاقي واضح لدى فئة صغيرة.
الشجاعة لا تلغي الخوف… وفن “يُربّي” على التغيير
ثم يتجه يو إلى نقطة قد تبدو للوهلة الأولى جانبية لكنها عنده جوهرية: تعريف المقاومة كإيثار فقط؟ في الفيلم، تُقال جملة إن حياة جين مع بول كانت “مليئة بالأفعال الكريمة”.. لكن يو يحذر من تحويل البطولة إلى هالة.. يقر بأن مقاومي الأمس كانوا أبطالاً، لكنهم بقوا بشرًا خائفين.. الشجاعة بالنسبة له ليست “غياب الخوف”، بل الاستمرار رغم الخوف.
وهذا ينعكس أيضاً على مسألة نشر الثقافة بين عامة الناس.. يذكر الفيلم أن بول، عندما كان عضواً في مجلس مدينة لييج، عمل على توسيع وصول الثقافة.. ويو يربط الفكرة بمنظمة CEPAG وحركة تعليمية شعبية قريبة من الاتحاد العام للعمال البلجيكيين.. من جانبه، ينسب يو ذلك أيضاً إلى اقتناع طويل لديه بأن الفن قادر على إلهام أسلوب حياة مختلف.. ويستعيد كيف درس تاريخ الفن في الجامعة، وكيف أنشأ—ضمن سياق غير ربحي—معرضاً صغيراً كان الهدف منه نشر الفنون بين الطبقة العاملة.
مشاريع قادمة… والثالثة: فيلم عن “ماذا بعد؟”
في النهاية، لا يتحدث يو عن نجاح فيلمه كصفحة ختامية، بل كمرحلة تفتح أسئلة جديدة.. يقول إن الفيلم حاز جوائز ضمن مهرجانات سينمائية، ثم يشارك بخط قادم: بعد إنجاز فيلميه الأخيرين عن جده الصيني وعن جدّيه لأمه، يفكر في فيلم عن نفسه.. ليس فخراً بالسيرة، بل فيلم يطرح سؤالاً: ماذا بعد؟—أجداد أنجزوا الكثير، فماذا فعلتُ بحياتي؟
ويضيف أنه يتخيل العمل ضمن “ثلاثية”، لأن الفكرة ما تزال تتطور داخل رأسه: قصة عما فعله وما لم يفعله، وأخطاؤه أيضاً. في قراءة يو، يبدو أن مقاومة اليوم قد تبدأ من الداخل—من الاعتراف، ثم من اختيار الفعل—تماماً كما بدأت “حلم فاني” من دفتر شعر قديم يخبئ في رسوماته رغبة في عالم أكثر إنسانية.