Iraq News

حسين علي محمود: التجنيد الإلزامي بين الأمن والتنمية بالعراق

توازن حساس في العراق بين الأمن والتنمية: التجنيد الإلزامي قد يعزز جاهزية الدولة والاندماج، لكنه قد يثقل التعليم والعمل إذا لم توجد حوكمة وفرص بديلة للشباب.

تعود إثارة الجدل حول التجنيد الإلزامي (خدمة العلم) إلى كونه سياسة تعيش على خط تماس بين الأمن والاقتصاد والمجتمع، وتنعكس مباشرة على حياة الشباب ومستقبلهم. وفي العراق، تزداد حساسية النقاش مع تداخل التهديدات الأمنية مع هشاشة فرص العمل وبطء التحول الاقتصادي.

عند طرح التجنيد الإلزامي، يبرّر مؤيدون الفكرة بأنها استثمار أمني يسبق أي مشروع تنموي.. فالدولة التي ترى في حماية حدودها واستقرارها الداخلي شرطاً أولياً، تميل إلى بناء جاهزية دفاعية تعتمد على تعبئة بشرية واسعة وسريعة عند الأزمات.. كذلك تُقدَّم الخدمة الإلزامية كرافعة لتعزيز معنى المواطنة عبر تجربة مشتركة تجمع أفراداً من خلفيات اجتماعية وثقافية مختلفة، بما يرسخ الانضباط ويحد من الانعزال.

لكن منتقدين يضعون أمام هذه الصورة سؤالاً عملياً: لماذا تذهب ميزانيات وجهود الدولة إلى نموذج يستهلك أعماراً من الشباب بدل بناء اقتصاد قادر على خلق فرص عمل؟ بحسب هذا الرأي، الاستثمار الحقيقي في قوة الدولة لا ينفصل عن النمو الاقتصادي، وتطوير التكنولوجيا، وتقوية الصناعات، وتعزيز دور القطاع الخاص.. فاقتصاد قوي، من وجهة نظرهم، يستطيع تمويل جيش محترف ومتقدم أكثر كفاءة من الاعتماد الدائم على تعبئة بشرية قد لا تتلقى تدريباً متخصصاً كافياً.

المعضلة لا تقف عند الموازنة المالية فقط، بل تمس مساراً يومياً للشباب.. إدخال أعداد كبيرة منهم في خدمة إلزامية قد يقطع التعليم أو يبطئ التخرج ويؤخر الاندماج في سوق العمل، خصوصاً في دول تعاني أصلاً من بطالة مرتفعة وضعف الفرص.. هنا تصبح الخدمة اختباراً لعدالة التوقيت: هل يتزامن الإلزام مع مرحلة تحتاج فيها الفئات الشابة إلى استقرار دراسي ومهني؟ أم أنه يتحول إلى تأجيل طويل لفرص الانطلاق؟

وسط هذا التضاد، لا يبدو السؤال “نعم أو لا” هو الجوهر الوحيد، بل البيئة التي تُطبق فيها السياسة.. الدول التي تواجه تهديدات أمنية مباشرة أو تعمل داخل إقليم مضطرب تميل إلى سياسات إلزامية لأنها تعتبرها أسرع طريق لتعزيز القدرات الدفاعية.. في المقابل، الدول التي تتمتع باستقرار نسبي غالباً ما تفضّل جيشاً مهنياً عالي التدريب، وتضع المعرفة والاقتصاد في قلب مفهوم القوة.

وفي العراق، تتعقد الصورة أكثر.. البلاد تجمع بين إرث صراعات ممتد، وتحديات أمنية لم تختف تماماً، إضافة إلى بنية اقتصادية تعتمد بدرجة كبيرة على النفط، وواقع اجتماعي يتأثر بانقسامات سابقة وبضغط الشباب الباحث عن عمل.. في مثل هذا السياق، قد يبدو التجنيد الإلزامي خياراً “مغرياً” لأن نتائجه المتوقعة تشمل بناء قاعدة احتياط بشرية وتعزيز شعور الانتماء، وربما منح بعض الشباب انضباطاً ومهارات أساسية.

غير أن الوجه الآخر يفرض نفسه عندما تكون الأرض الاقتصادية غير صلبة.. فرض خدمة إلزامية في ظل اقتصاد هش قد يعني سحب أعداد من الشباب من التعليم والعمل دون بدائل واضحة، ما قد يزيد الأعباء الاجتماعية بدلاً من تخفيفها.. كما أن نجاح التجربة ــ وفق المنطق الذي يطرحه حسين علي محمود ــ يرتبط مباشرة بقدرة مؤسسات الدولة على إدارة الخدمة بعدالة وفعالية.. فغياب الحوكمة الرشيدة قد يحوّل الإجراء إلى عبء بيروقراطي أو إلى مساحة لإعادة إنتاج الفساد واللامساواة، وهو أمر يظل أخطر على الثقة العامة من أي معضلة تشغيلية.

لهذا تتجه القراءة الأكثر واقعية إلى فكرة التوازن لا المفاضلة الصارمة.. بناء دولة قوية لا يتحقق عبر عسكرة المجتمع وحده، ولا عبر إهمال البعد الأمني.. المعادلة الممكنة تكون في الجمع بين اقتصاد منتج ونظام تعليمي فعال وقدرات دفاعية متطورة تتناسب مع طبيعة التهديدات، بحيث لا يتحول التجنيد إلى بديل كسول عن إصلاحات أوسع.

ومن زاوية التصميم، قد يكون الأنسب بالعراق التفكير بنماذج مرنة تقلل الكلفة البشرية المباشرة وتربط التدريب بمسارات التعليم والمهنة.. مثل خدمة وطنية جزئية، أو تدريب عسكري اختياري مرتبط ببرامج مهنية وتعليمية، بدل فرض تجنيد شامل لا ينسجم مع حجم الحاجة الاقتصادية والاجتماعية.. المقاربة المرنة لا تعني التخفف من الأمن، بل تعني جعل الخدمة جزءاً من منظومة تطوير لا عقبة أمام سوق العمل.

في النهاية، ليست القضية في قرار التجنيد الإلزامي بقدر ما هي في “كيف” و“متى” و“ضمن أي ضمانات”.. أي ميل للمبالغة نحو عسكرة المجتمع قد يخلق اقتصاداً ضعيفاً بلا حماية كافية، وفي الاتجاه المقابل قد ينتج دولة مثقلة بمتطلبات الدفاع على حساب التنمية، فتختل الأولويات.. التحدي الحقيقي في العراق يكمن في إيجاد توازن ذكي بين الأمن والحرية، بين الواجب الوطني والحق الفردي؛ توازن يجعل المجتمع أكثر تماسكا والدولة أكثر قابلية للاستمرار.