أبعاد

تاريخ الرياضة الفلسطينية من القدس إلى غزة.. قرنٌ من الصمود والنضال

تحضر الرياضة في تاريخ فلسطين ليس فقط بوصفها نشاطًا حركيًا وترفيهيًا يهمّ فئات من المجتمع، بل بما هي مساحة نضال من أجل التحرّر من الاحتلال، تتجاوز الشكل المُسلّح من المُواجهة، لتُسهم في تنشيط المُشاركة الشبابية في الفعاليات الاجتماعية والسياسية والوطنية وترسيخ الهوية الفلسطينية.

وعلى امتداد هذا التاريخ، كانت الرياضة الفلسطينية في دائرة الاستهداف من قبل إسرائيل، وبلغ هذا الاستهداف ذروته في حرب الإبادة الجماعية على غزة، التي استُشهد فيها عشرات من النجوم واللاعبين من مختلف الرياضات.

البدايات الأولى للحركة الرياضية في فلسطين

بدأت الحركة الرياضية في فلسطين بصيغتها الحديثة مع الإرساليات التبشيرية التي أحضرت معها أنواعًا من الرياضات التي لم تكن معروفة بين أهل البلاد. وتأسّس أول نادٍ لكرة القدم عام 1908 في مدرسة “المطران” في القدس. كما نُظّمت أول مباراة كرة قدم في المنطقة العربية في القدس عام 1912، بين فريق الجامعة الأميركية في بيروت (كانت تُعرف آنذاك باسم “الكلية الإنجيلية السورية”) وفرق “سي أم أس”، و”الشبّان المسيحية”، و”سان جورج”، ومنتخب القدس(1).

وفي عام 1910، تأسّس فريق لكرة القدم خاض مباريات مع فرق أوروبية، وضمّ لاعبين من أبرزهم: داود عدس، وفائق شبيطة، وجورج خوري، وحلمي الحسيني، وقسنطدي لباط، وجورج حلبي، وعبد الله الجمل، وحسن عويضة، وتوفيق الحسيني، وسليم حنا، وفؤاد النشاشيبي(2).

وازداد الاهتمام بالرياضة في تلك السنوات، فتأسّست عدة أندية في مختلف التخصّصات، وامتدّ هذا الاهتمام إلى المدارس والمعاهد، على غرار “المدرسة الدستورية” في القدس التي أسّسها المفكر والمعلم خليل السكاكيني عام 1909، وركّزت على الموسيقى والنشاطات الرياضية ضمن العملية التربوية(3).

كما برزت الصحافة الرياضية، بداية مع صحيفة “فلسطين” التي أسّسها عيسى العيسى وابن عمه يوسف العيسى عام 1911، وغطّت مرحلة تاريخية مهمّة قبل النكبة، وساهمت في ترسيخ الهوية الوطنية الفلسطينية في مواجهة التحديات التي عصفت بالبلاد، وأبرزها التحدي الصهيوني والاحتلال البريطاني(4).

الرياضة ساحة أخرى للصراع في زمن الانتداب

منذ مرحلة مبكرة، تحوّلت الرياضة إلى ساحة أخرى للصراع بين العرب ومنظّمات الحركة الصهيونية التي أسّست بدورها أندية رياضية لأهداف متعدّدة، من بينها تدريب الشبيبة اليهودية تمهيدًا لانخراطها لاحقًا في النشاطات العسكرية، بالإضافة إلى استخدام النشاطات الرياضية في المسابقات الدولية لبثّ الدعاية الصهيونية، مستفيدة من قدرات تنظيمية عالية ودعم وإمكانات كبيرة، في مقابل ضعف الإمكانات العربية والاعتماد على التبرّعات التي قدّمتها شخصيات وطنية.

فريق مدرسة المطران القدس 1923- palestine-studies.org

وانتهجت بعض الأندية العربية سياسة الحفاظ على علاقة مع الجانب البريطاني للاستفادة من خبراته وزيادة احتراف لاعبيها، واختارت، كما نخب فلسطينية في تلك المرحلة، سياسة عدم الصدام المباشر مع سلطات الانتداب(5).

وبعد فشل مساعي الحركة الصهيونية في ضمّ اتحاد كرة القدم الذي أسّسته عام 1924 إلى “الاتحاد الدولي للرياضيين الهواة” بسبب عدم تمثيل العرب واليهود والإنكليز بشكل متساوٍ فيه، اضطرت إلى الدخول في الاتحاد بتمثيل يشمل كل الفئات في فلسطين حينها. لكنّها همّشت العرب لاحقًا، وسعت بمساعدة سلطات الاحتلال البريطاني، إلى تصدّر النشاطات الرياضية العالمية.

الأندية الرياضية الفلسطينية ودورها في الحياة الوطنية

وخلافًا لما نشر في سنوات لاحقة عن مشاركة منتخب فلسطين في مباريات دولية في تلك المرحلة، فإنّ اليهود كانوا المسيطرين على الفريق في ظل إقصاء العرب، وهو ما دفع الرياضيين الفلسطينيين إلى تأسيس “الاتحاد الرياضي الفلسطيني العربي” في أبريل/ نيسان 1931، وكان له دور هام في الحركة الرياضية والسياسية عبر الدعوة إلى مقاطعة الرياضيين اليهود. غير أنّ حركته تضرّرت بعد اندلاع ثورة 1936، ما اضطر بعض الأندية الفلسطينية إلى المشاركة في فعاليات مع أندية يهودية برعاية بريطانية، لكنّ الطابع العام ظلّ هو المقاطعة(6).

تحوّلت الرياضة في فلسطين إلى لغة مقاومة تُكمل ما تعجز عنه السياسة، وتُعيد صياغة حضور الشعب في الداخل والشتات

لم يمنع غياب الاتحاد ظهور مبادرات للاستمرار في النشاطات الرياضية. ففي عام 1937، تأسّس اتحاد عربي من أندية في حيفا بهدف إقامة مباريات مشتركة بينها. كما بادر الملاكم أديب الدسوقي إلى إنشاء “المعهد الأولمبي” في يافا. وفي عام 1940، أُقيمت لجنة للعبة كرة الطاولة اشترك فيها مندوبو نحو 12 ناديًا رياضيًا.

ومع بداية الأربعينيات، انتشرت في فلسطين رياضة رفع الأثقال، وفي عام 1944 تجدّدت انطلاقة الاتحاد الرياضي الفلسطيني. ومن بين مجهوداته العمل على عرقلة جهود الاتحادات الصهيونية الدعائية في العالم، وتعزيز العلاقات مع اتحادات مختلفة خاصة في الدول العربية. ومن بين خطواته في منع التطبيع مع الأندية الصهيونية، احتجاجه في رسالة للاتحاد المصري على إقامة مباريات كرة قدم بين منتخب الإسكندرية والفرق اليهودية، قبل أن تقع النكبة وتُدمّر معها مفاصل الحياة، وبينها الرياضة(7).

كما انخرط رياضيون فلسطينيون في النضال ضد الاستعمار والحركة الصهيونية بأشكال مختلفة، من بينها الكفاح العسكري المباشر؛ ومن هؤلاء شهداءُ الحركة الرياضية الذين شاركوا في معارك 1948، مثل عارف النعمان، لاعبِ نادي الاتحاد القروي في القدس، ومحمدِ أحمد الناقة، عضوِ اللجنة الرياضية لنادي الشبيبة الإسلامية في يافا(8).

وتولّى أعضاء الأندية مهمات أخرى، من بينها المشاركة في نقل الجرحى والشهداء من المواجهات والمسيرات التي تعرّضت لقمع قوات الاحتلال البريطاني، كما في مظاهرة أبو كبير في يافا عام 1933، التي تشكّلت خلالها فرقة من الكشّافة المتجوّلة والنادي الرياضي الإسلامي وتولّت نقل الجرحى إلى العيادات والمستشفيات. كما شاركت الأندية والهيئات الرياضية والكشفية في حراسة السواحل والحدود لمنع عمليات التهريب التي نفّذتها الحركة الصهيونية للمهاجرين اليهود إلى البلاد(9).

انهيار الرياضة بعد النكبة ومحاولات إعادة البناء

على إثر النكبة، انهارت المؤسسات والبنى المجتمعية الفلسطينية، بما فيها الحركة الرياضية، وصارت كل منطقة في فلسطين وخارجها، سواء بقي فيها أهلها أو توزّع عليها اللاجئون، تسعى لإعادة بناء ذاتها من جديد في ظروف شديدة القسوة.

وارتبطت الرياضة الفلسطينية في جانب أساسي منها بالسياق الأوسع لحركة الشعب الفلسطيني نحو انتزاع الاعتراف به وتثبيت هويته، في عملية استرداد للذات ومحاولة للتعافي من آثار النكبة. وبعد إعادة تأسيس الاتحاد الرياضي الفلسطيني وتولّي صبحي فرج إدارته في قطاع غزة، حاول الاتحاد الحصول على عضوية “الاتحاد الدولي لكرة القدم” (الفيفا)، لكنّ طلبه رُفض بحجّة أنّ قطاع غزة “منطقة” وليست إقليمًا.

الاتحادات الرياضية الفلسطينية في الخمسينيات والستينيات

وفي عام 1953، شارك وفد ممثّل عن فلسطين في الدورة الرياضية العربية الأولى بقرار من الجامعة العربية، وحملت المشاركة طابعًا سياسيًا واضحًا، خصوصًا أنّها جاءت بعد نكبة 1948 وما رافقها من تهجيرٍ جماعي للفلسطينيين، وتحويلِهم إلى لاجئين، وتدميرِ مؤسساتهم وبُناهم المجتمعية، وبينها الأطر الرياضية. وفي هذه المشاركة، حقّق اللاعب الفلسطيني خليل محمد عفيفي المركز الثالث في منافسات الملاكمة.

ومنذ السنوات الأولى التي أعقبت النكبة، سعت الهيئات الفلسطينية إلى الدخول في الاتحادات الرياضية العربية والدولية. ومن بين الإنجازات في تلك الفترة قبول “الاتحاد الفلسطيني لكرة السلة” برئاسة الدكتور جورج رشماوي عضوًا في الاتحاد العالمي للعبة، لكن تحت اسم “اتحاد كرة السلة/ قطاع غزة”.(10)

صورة توثق مظاهرة أبو كبير في يافا عام 1933 – مكتب الصحافة والنشر في يافا

وعملت الإدارة المصرية مع نشطاء رياضيين على إعادة تجديد الحركة الرياضية في قطاع غزة، الذي كان يضمّ نحو 3000 لاعب كرة قدم موزّعين على 15 ناديًا. كما تأسّست في السنوات الأولى بعد النكبة عدة مراكز اجتماعية بإشراف وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “الأونروا”، وقامت بأدوار مهمة على الصعيدين الرياضي والشبابي، من بينها مركز مخيم الشاطئ والنصيرات.

وتشابكت الحركة الرياضية مع الفعالية السياسية والوطنية في تلك المرحلة؛ إذ كان اللاعبون والنشطاء الرياضيون جزءًا من الحراك السياسي الذي عاشه القطاع في سنوات الحكم المصري، في ظل الحملات العدوانية التي شنّها جيش الاحتلال على القطاع، والمطالبات بتسليح المجتمع لمُواجهة العدوان، وتدريب الشبان عسكريًا، وظهور الخلايا الأولى التي شكّلها شبان من مختلف التيارات الأيديولوجية، إلى جانب عمليات التسلّل نحو الأراضي المحتلة عام 1948، والتظاهرات الرافضة لمشاريع التوطين.(11)

منذ بدايات القرن العشرين، ظلّ الرياضيون الفلسطينيون جزءًا من معركة الدفاع عن الوجود، من ساحات القدس إلى أنقاض غزة

أما في الضفة الغربية، فارتبطت النشاطات الرياضية في سنوات ما قبل الاحتلال عام 1967 بالاتحادات الرياضية الأردنية مباشرة، لأنّ الضفة كانت مرتبطة في مناحي الحياة الإدارية والحكومية كافة بالأردن. وتأسّست في تلك السنوات عدة أندية في الضفة، من بينها: نادي الخليل الرياضي، والنادي الإسلامي في بيت لحم، ونادي الشباب في بيت ساحور، والنادي الأرثوذكسي العربي الرياضي في بيت جالا، ونادي الخضر الرياضي، ومركز الشباب الاجتماعي في مخيم عسكر، ومركز الخدمات الاجتماعية في نابلس، ونادي هلال أريحا.

ومن الأحداث الرياضية الهامة في تلك الفترة، والتي حملت “أبعادًا هوياتية وسياسية”، المباراة التي جمعت نادي “الموظّفين المقدسي” بمنتخب “جبهة التحرير الجزائرية”، والتي أُقيمت في القدس المحتلة بهدف جمع تبرّعات لصالح الثورة الجزائرية.(12)

صورة نادرة لفريق الخليل الرياضي عام 1924- hpalestinesports.net

وكان للنساء والشابات حضورهنّ في الحياة الرياضية الفلسطينية، سواء في الضفة الغربية أو قطاع غزة. ومن بين نجمات الرياضة في تلك المرحلة عايدة سلامة، بطلة فلسطين في كرة الطاولة، التي نفّذت عملية استهدفت قوات الاحتلال الإسرائيلي في حي الشجاعية شرق غزة، واعتُقلت لسنوات في السجون الإسرائيلية.(13)

وخرّج “معهد الطيرة” في رام الله، بعد تأسيسه عام 1964(14) عددًا من المتخصّصات في التدريب والتعليم الرياضي، وشارك فريق من الفتيات الفلسطينيات في دوري لكرة الطاولة. ويُوثّق الأرشيف الفلسطيني صورًا للاعبات فلسطينيات في مختلف الرياضات، بينها الجمباز.(15)

الرياضة الفلسطينية في الشتات ودور منظمة التحرير

في الشتات، قرّرت “منظمة التحرير الفلسطينية” تأسيس هيئة تقود الأنشطة الرياضية والهيئات المختلفة التي انتشرت في أماكن وجود اللاجئين الفلسطينيين، أطلقت عليها اسم “المجلس الأعلى لرعاية الشباب”(16). وشارك المجلس في مؤتمرات شبابية عدّة، من بينها المؤتمر الأول لمجلس وزراء الشباب والرياضة العرب في القاهرة عام 1969.

وناضلت الرياضة الفلسطينية للحضور في البطولات الدولية في مواجهة الدول التي سعت لعرقلة هذه المشاركة، كما في الدورة الخامسة للرجال في كرة السلة للدول الإفريقية في الإسكندرية في مارس/ آذار 1970، التي شارك فيها الوفد الفلسطيني رغم احتجاجات وفود السنغال وإفريقيا الوسطى والنيجر(17). وحقّق اللاعب الفلسطيني عبد الحميد مسعود لقب الهدّاف الأول فيها.

ونجحت “منظمة التحرير” في تحقيق إنجازات في محاصرة الرياضة الإسرائيلية في البطولات الدولية، من بينها طرد “الاتحاد الإسرائيلي” من “الاتحاد الآسيوي” للعبة رفع الأثقال في السبعينيات(18).

كما أسّس اللاجئون أندية رياضية وهيئات في مختلف الرياضات والأطر الكشفية، توزّعت على مخيمات اللاجئين في لبنان وسوريا والأردن، ومواقع أخرى في الشتات الفلسطيني. ومن بين الأندية التي تأسّست في مخيمات لبنان، وتحمل أسماء مدن ومناطق في فلسطين، ولعبت في دوري الدرجة الأولى والثانية لكرة القدم: طولكرم، وعكا، وأريحا، وجنين، وعز الدين القسام، وحيفا، والكرامة، والحولة، وحطين، والرملة، ومجدو، والناصرة، وتل الصافي، والكرمل، وفلسطين، وطبريا، وصيدا، وعيلبون، والمجدل، وترشيحا، والقدس وغيرها(19).

يُوثّق الأرشيف الفلسطيني صورًا للاعبات فلسطينيات في مختلف الرياضات بينها الجمباز- palarchive.org

وأقامت “منظمة التحرير الفلسطينية” خلال فترة رئاسة أحمد أديب العلمي للمجلس الأعلى للشباب لجانًا لرعاية الشبّان الفلسطينيين في مصر، والعراق، والكويت، ولبنان، وسوريا، وقطر، والأردن، ونفّذت فعاليات رياضية متعدّدة، وواجهت صعوبات نتيجة التعقيدات التي عاشها اللاجئون في عدة أقطار عربية(20).

وفي عام 1970، أُسّس “مجلس رعاية الشباب” في بيروت، وبعد ست سنوات تأسّست “اللجنة الأولمبية الفلسطينية” في الشتات. وبعد عدة محاولات، قُبل طلب عضويتها في اللجنة الأولمبية الدولية. ومن الأبطال الرياضيين الفلسطينيين في هذه المرحلة: ظريف شبانة، وأسد قبلاوين، وإبراهيم العايدي، وجهاد الخضرا، وسمير عويد، وصابر خالد في رياضة كمال الأجسام(21).

حكاية الرياضة الفلسطينية ليست عن البطولات فحسب، بل عن مجتمع يحمي ذاكرته من خلال الأندية والاتحادات واللاعبين

وبالتوازي مع الفعاليات الرياضية، أقامت الفصائل الفلسطينية خلال انتشارها في الشتات في فترة الثورة حركات متخصّصة بالشبيبة (الفئات العمرية الشابة)، كان من بين نشاطاتها تنظيم مخيمات تنوّعت أهدافها بين الرياضي، والتعبئة الوطنية والسياسية، والترفيه، ومحاولة معالجة الإشكاليات التي تواجه الشباب(22).

تطور الأندية الرياضية في الضفة وغزة بعد 1967 

تختلف تجارب الإنسان الفلسطيني عن كثير من شعوب العالم، إذ هي محكومة بحالة شبه دائمة من عدم الاستقرار، وبالبقاء في حالة استعداد دائم لهدم ما يُشيّده من مؤسسات وإعادة بنائها من جديد. وهذا ما حصل مع الحركة الرياضية في الضفة الغربية وقطاع غزة، التي كانت في مرحلة البناء بعد نكبة 1948، إلى أن احتلّتهما إسرائيل في حرب 1967، وتبدّل الواقع وصار محكومًا على كل نشاط فلسطيني أن يُعاد بناؤه في ظروف استعمار إسرائيلي وسيطرة عسكرية مباشرة.

عام 1944، تجدّدت انطلاقة الاتحاد الرياضي الفلسطيني- palestine-studies.org

في السنوات الأولى من الاحتلال، اندفعت الهيئات الفلسطينية في الضفة والقطاع نحو إقامة مجموعة من الهيئات والمؤسسات ذات الاختصاصات المتعدّدة، بينها الرياضية، وحاولت أن تعمل وفق محدّدين رئيسيين: عدم الارتباط بالمؤسسات الاستعمارية الإسرائيلية، والحرص على وحدة التمثيل الفلسطيني.

وتضافرت جهود عدة شخصيات لاستعادة النشاط الرياضي الفلسطيني، وأثمرت عن تأسيس اتحادات وروابط رياضية، من بينها “اللجنة الرياضية في نابلس” عام 1970(23)، التي تعرّضت لمضايقات من سلطات الاحتلال، بينها سحب “الترخيص” منها عدة مرات.

ولاحقًا، قرّرت إسرائيل تسليم ملف متابعة النوادي والهيئات الرياضية في الأراضي المحتلة لضابط خاص من الجيش، أسوة ببقية القطاعات التي كان يشرف عليها ضباط مثل “ضابط التربية” وغيره، بهدف التضييق على هذه الأطر ومنع استثمار النشاطات الاجتماعية في خدمة الهدف الوطني والسياسي(24).

وأثمر التعاون بين البلديات والأندية والفعاليات الرياضية عن تأسيس “رابطة الأندية الرياضية” في محافظات القدس، ورام الله، والبيرة، وأريحا، وبيت لحم، والخليل عام 1975.

وفي عام 1980، انضمّت أندية شمال الضفة الغربية إلى الرابطة، لتصبح مُوحّدة تحت إدارة ماجد أسعد. وامتدّ التعاون مع أندية غزة التي كانت تتحرّك بدورها لتأسيس اتحاد مشترك وفتح اتصالات مع هيئات الضفة الغربية، وكانت الرابطة في غزة بقيادة معمر بسيسو(25).

ونشطت الروابط في إقامة فعاليات ودوريات مختلفة جمعت الشبان والرياضيين من مختلف المناطق، رغم الملاحقة المستمرة من الاحتلال. ويروي داود متولي، الذي عاصر عدّة مراحل في تاريخ الحركة الرياضية الفلسطينية، كيف كان يهرّب أرشيف الأندية والرابطة من مكان إلى آخر لحمايته من المصادرة، مشيرًا إلى أنّ عدد النوادي بلغ 260 ناديًا لعبت أدوارًا في تقديم الخدمات الاجتماعية والاقتصادية للمجتمع الفلسطيني، في مواجهة مشروع “روابط القرى” الذي أسّسته “الإدارة المدنية” التابعة لجيش الاحتلال(26).

الرياضة الفلسطينية خلال الانتفاضة الأولى.. قمع واغتيالات

اندَمج النشاط الوطني والتنظيمي للأحزاب الفلسطينية مع النشاط الرياضي. وفي هذا الإطار، تُشير شهادات تاريخية إلى انتقال الأندية بين الضفة الغربية وقطاع غزة، ورافَق ذلك انتقال كوادر التنظيمات معها لعقد اجتماعات ومشاورات في إطار العمل الحركي الوطني لمواجهة الاحتلال. وتوسّع اهتمام فصائل الثورة الفلسطينية في الخارج بالأرض المحتلة، خاصة بعد خروجها من لبنان عقب الاجتياح الإسرائيلي عام 1982.

وخصّصت الفصائل أموالًا لدعم الحركة الرياضية الفلسطينية، وكان لحركة “فتح” مكتب تنظيمي سرّي كلّف كوادر بمتابعة هذا الملف. وكان لأندية الضفة والقطاع دور مهم في تأسيس “حركة الشبيبة الطلابية”، الذراع الفاعل لـ”فتح” في الجامعات والمدارس. وشكّلت هذه المجهودات جزءًا من مرحلة مهمّة في تاريخ العمل الفلسطيني أسّست لانطلاق انتفاضة 1987، التي كان للهيئات الاجتماعية دور بارز فيها(27).

حلقة من برنامج “مع الكوير” عبر “العربي تيوب” تتناول تاريخ كرة القدم في فلسطين

وتصدّت الحركة الرياضية الفلسطينية لمحاولات إسرائيل جرّها إلى فعاليات مشتركة مع أندية إسرائيلية. وكثّف الاحتلال قمعه للحركة الرياضية بعد اندلاع الانتفاضة الأولى، وقتل عددًا من اللاعبين، من بينهم جمال غانم الذي استشهد برصاص وحدة خاصّة تُعرف باسم “المستعربين”، بعدما اقتحمت ملعبًا في طولكرم خلال مباراة بين ناديي “شويكة” و”النقابات”. كما أغلق الاحتلال عددًا من الأندية لفترات وصلت إلى عشر سنوات(28).

جرائم الاحتلال بحق الرياضة بعد عام 2000

تقدّم العدوان الإسرائيلي على الشعب الفلسطيني، منذ انتفاضة الأقصى، إلى مستويات أكثر وحشية في الوسائل والاستراتيجيات. وكان للحركة الرياضية نصيبها من القتل والتدمير والاعتقالات ومختلف الانتهاكات؛ إذ تُشير إحصائية أعدّها الصحفيان الفلسطينيان روحي درابية ومحمد درابية إلى أنّ جيش الاحتلال قتل نحو 540 رياضيًا فلسطينيًا بين عامي 2000 و2014. ووفقًا للإحصائية نفسها، بلغ عدد شهداء الحركة الرياضية من عام 1967 حتى وقت إعداد الدراسة نحو 700 شهيد، بالإضافة إلى آلاف الجرحى والأسرى(29).

رغم تدمير الملاعب واستهداف الرياضيين، بقيت الرياضة الفلسطينية قادرة على النهوض من تحت الركام، لتعيد بناء ذاتها مرة بعد أخرى

كما دمّر الاحتلال مقرات عدة أندية وملاعب ومنشآت رياضية خلال العدوان المتكرر على الشعب الفلسطيني، وبلغت معدلات التدمير مستويات عالية في الحروب التي شنّها على قطاع غزة منذ عام 2007.

وفي الضفة الغربية، منع الاحتلال إقامة ملاعب خاصة في القرى والبلدات الواقعة ضمن المناطق المُصنّفة “ج”، واقتحم مقرات أندية واعتدى على اللاعبين في عدّة مناطق، بينها القدس. كما منع عددًا من اللاعبين من السفر إلى الخارج للاشتراك في بطولات عالمية(30).

استهداف القطاع الرياضي في غزة خلال حرب 2023

وبلغ الإجرام الإسرائيلي ذروته في حرب الإبادة على غزة في 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، التي استُشهد فيها نحو 949 رياضيًا، بينهم أكثر من 467 لاعب كرة قدم. وقتل جيش الاحتلال نجومًا بارزين مثل سليمان عبيد المعروف بـ”بيليه فلسطين”، والمدرّب العام للمنتخب الوطني الأولمبي هاني المصدر، والحكم الدولي محمد خطاب، وغيرهم ممّن استُشهدوا مع عائلاتهم تحت القصف أو برصاص القنّاصين وهم يبحثون عن الطعام في ظل حرب التجويع التي فرضتها إسرائيل على القطاع(31).

على امتداد أكثر من قرن، أثبتت الحركة الرياضية الفلسطينية أنّها جزء من هوية الشعب الفلسطيني ومسار نضاله الطويل. فالأندية والملاعب والاتحادات كانت فضاءات للحشد والتنظيم والمقاومة، كما كانت هدفًا مباشرًا للاحتلال الذي حاول تفكيكها وإسكات دورها. ورغم التدمير والاستهداف المستمرّين، ظلّت الرياضة الفلسطينية قادرة على تجديد نفسها، وعلى حمل رسالةٍ سياسية ووطنية تُثبت حضور فلسطين في المحافل العربية والدولية. وما زال الإرث الرياضي الفلسطيني شاهدًا حيًا على قدرة هذا الشعب على تحويل الرياضة إلى فعل وجود وصمود، وإلى أداة لحماية ذاكرته وهويته من محاولات الطمس والإبادة.

المراجع:

1- عصام الخالدي، تاريخ الحركة الرياضية في فلسطين وحتى عام النكبة.

2- عصام الخالدي، 100 عام على كرة القدم في فلسطين.

5- عصام الخالدي، مرجع سابق.

6- إبراهيم ربايعة، الرياضة والسياسة في الأراضي الفلسطينية المحتلة: الوعي السياسي والمأسسة والتكيّف المقاوم (1967–1995)، مجلة “عمران”، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.

7- عصام الخالدي، مرجع سابق.

8- المرجع نفسه.

9- المرجع نفسه.

10-  محمود سليمان عزب، تاريخ الرياضة الفلسطينية منذ عام 1917 ولغاية عام 1993.

11- محمود سليمان عزب، مرجع سابق.

12- إبراهيم ربايعة، مرجع سابق.

13- نيللي المصري، الرياضة النسوية في قطاع غزة: واقع وطموح – دراسة تاريخية تحليلية من منظور نسوي (1953–2018)، مجلة جامعة النجاح للأبحاث.

14- المصري، مرجع سابق.

16- خالد عجاوي، الحركة الرياضية الفلسطينية في الشتات، الدار الوطنية الجديدة.

17- خالد عجاوي، مرجع سابق.

18- إبراهيم ربايعة، الرياضة الفلسطينية في قرن… أية علاقة مع السياسة؟، مجلة “شؤون فلسطينية”.

19- محمود سليمان عزب، مرجع سابق.

20- خالد عجاوي، مرجع سابق.

21- المرجع نفسه.

22- محمود سليمان عزب، مرجع سابق.

23- إبراهيم ربايعة، مرجع سابق.

24- المرجع نفسه.

25- المرجع نفسه.

26- المرجع نفسه.

27- إبراهيم ربايعة، مرجع سابق.

30- محمود سليمان عزب، مرجع سابق.

jhvdo hgvdhqm hgtgs'dkdm lk hgr]s Ygn y.m>> rvkQ lk hgwl,] ,hgkqhg

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

اللهم ارزقني اليقين والإيمان الكامل بك