سانتا كلوز بين الخيال والسياسة: قصة صورة صنعت رمز عيد الميلاد

قبل أوائل القرن التاسع عشر، كان عيد الميلاد، الذي يُحتفل به في 25 ديسمبر/ كانون الأول من كل عام، عيدًا دينيًا بحتًا، تُستعاد فيه قصة الميلاد في إطار كنسي وروحي صرف.
غير أن هذا العيد، ومع التحولات الاجتماعية والاقتصادية الكبرى في أوروبا والولايات المتحدة، بدأ يخلع تدريجيًا طابعه التعبّدي، ليتحوّل إلى مناسبة اجتماعية جماهيرية تتداخل فيها الطقوس الدينية مع الاستهلاك، وتتصاعد فيها الرموز البصرية والشخصيات الخيالية التي تخاطب الأطفال قبل غيرهم.
ومع مرور الوقت، بدأ الطابع التجاري يطغى تدريجيًا على احتفالاته، فتحوّل التسوق وشراء الهدايا إلى جزء أساسي من مظاهر العيد، وبات “سانتا كلوز” إحدى أبرز الشخصيات الملازمة له، ورمزًا عالميًا لطقوسه الحديثة.
في قلب هذا التحوّل، برز “سانتا كلوز” بوصفه الشخصية الأكثر رسوخًا في الذاكرة الجماعية لعيد الميلاد الحديث.
ويُنظَر إلى “سانتا كلوز” على أنه شخصية أسطورية تُعدّ الراعي التقليدي لعيد الميلاد في الولايات المتحدة ودول أخرى، حيث يُقدّم الهدايا للأطفال. وهو بذلك نتاج تراكمي لقرون من الأساطير والتقاليد الشعبية. فهو يستند، في جذوره الأولى، إلى شخصية القديس نيكولاس، أسقف ميرا في القرن الرابع الميلادي، الذي ارتبط اسمه بالكرم ومساعدة الأطفال والفقراء. وفق موقع “هيستوري“.(1)
ومع انتقال هذه الحكايات عبر أوروبا، ثم إلى العالم الجديد، أعيد تشكيلها لتواكب ثقافة جديدة تبحث عن رموز جامعة، وتكون سهلة التداول، وقابلة للتحويل إلى صورة.
كيف تشكّلت أسطورة بابا نويل؟
وفق السردية الشعبية التي ترسّخت لاحقًا، يعيش بابا نويل في أقصى شمال العالم، في القطب الشمالي، حيث يقضي العام كاملًا في إعداد الهدايا بمساعدة كائنات صغيرة تُعرف بجنوده أو مساعديه.
هناك، يتلقى رسائل الأطفال التي تحمل أمنياتهم، قبل أن ينطلق في ليلة الميلاد في رحلة أسطورية واحدة، يطوف خلالها العالم على متن مزلجة تجرّها حيوانات الرنة، ليوصل الهدايا إلى الأطفال أثناء نومهم.
وبحسب موسوعة “بريتانيكا”(2)، تقول الأسطورة إن بابا نويل يعيش في القطب الشمالي مع زوجته، حيث يقضي العام في صنع الألعاب بمساعدة جنوده. وهناك يتلقى رسائل الأطفال التي يطلبون فيها هدايا عيد الميلاد.
وفي ليلة العيد، يُحمّل مزلجته بالألعاب، ويطير حول العالم تجرّه ثمانية أو تسعة من حيوانات الرنة، ويتوقف عند منزل كل طفل، لينزلق عبر المدخنة ويترك الهدايا، ويرتشف الحليب والبسكويت الذي يتركه له أطفال المنزل.
أصبح الاحتفال بعيد الميلاد أقرب إلى صيغته الحالية في منتصف القرن التاسع عشر- غيتي
هذه الحكاية، بكل تفاصيلها، لم تولد دفعة واحدة، بل تشكّلت تدريجيًا مع صعود الأدب الشعبي في القرن التاسع عشر، حين بدأت المجتمعات الصناعية الجديدة تبحث عن قصص دافئة تعيد وصل العائلة والطفولة بزمن الاحتفال.
وكانت قصيدة كليمنت كلارك مور “زيارة من القديس نيكولاس“، التي نُشرت عام 1823، محطة مفصلية في هذا المسار، إذ منحت الشخصية ملامح أوضح، ورسّخت فكرة المزلجة والرنة والزيارة الليلية. وبعدها بعقدين، جاءت رواية تشارلز ديكنز “ترنيمة عيد الميلاد” لتمنح العيد بعده الإنساني والاجتماعي، وتؤكد ارتباطه بالرحمة والتكافل.
توماس ناست ينقل سانتا كلوز من النص إلى الصورة
لكن التحوّل الحاسم في تاريخ “سانتا كلوز” لم يكن أدبيًا فقط، بل بصريًا. هنا، يدخل الفنان الأميركي توماس ناست على الخط، ليمنح هذه الشخصية شكلها النهائي الذي ما زال حاضرًا حتى اليوم.
ناست، المهاجر البافاري الذي لمع نجمه في الولايات المتحدة منتصف القرن التاسع عشر، بدأ العمل رسامًا في مجلة “هاربرز ويكلي” عام 1862، في ذروة الحرب الأهلية الأميركية. وفي يناير/ كانون الثاني 1863، قدّم أولى رسوماته لسانتا كلوز، فاتحًا بذلك فصلًا جديدًا في تاريخ العيد.(3)
لا تكتمل احتفالات عيد الميلاد في عشرات دول العالم من دون رؤية رجل بدين، ذو لحية بيضاء وبذّة حمراء، يهب الهدايا للأطفال ويختفي عبر المدخنة
في رسومات ناست، تحوّل ساتتا كلوز من مجرد قديس غامض أو شخصية عابرة إلى رجل ممتلئ الجسد، بوجه ودود، ولحية بيضاء كثيفة، وبزّة حمراء لافتة، يرتدي معطفًا أحمر ويحمل هدايا للأطفال.
أعاد الفنان توظيف عناصر القصيدة الشهيرة، لكنه أضاف إليها بعدًا إنسانيًا واضحًا، مستلهمًا بعض ملامح الشخصية من شكله هو نفسه، ومستعينًا بزوجته وأطفاله كنماذج لشخصيات أخرى.
حتى البيوت، والأسطح، وأبراج الكنائس في الخلفيات، كانت مستوحاة من بلدته موريستاون في نيو جيرسي، بحسب ما تنقل مجلة “سميثسونيان” عن رايان هايمان، أمين متحف ماكولوتش هول التاريخي الأميركي.
وعلى الرغم من اختلافها من عام لآخر، ظهرت رسومات ناست لسانتا كلوز في مجلة “هاربرز ويكلي” حتى عام 1886، وبلغ عددها 33 رسمًا.
سانتا كلوز كما صوّره الفنان الأميركي توماس ناست في مجلة هاربرز ويكلي- مجلة “سميثسونيان
بابا نويل في زمن الحرب: الرمز في خدمة السياسة
غير أن رسومات ناست لم تكن بريئة تمامًا. فالفنان، المعروف بمواقفه السياسية الحادة، استخدم شخصية “سانتا كلوز” أحيانًا كوسيلة للتعبير السياسي والدعاية، خصوصًا خلال الحرب الأهلية وما بعدها.
كان ناست من أشد المدافعين عن إلغاء العبودية، ومن المناصرين للحقوق المدنية، ولم يتردّد في تسخير الرموز الشعبية لخدمة قناعاته.
أشهر مثال على ذلك لوحة “بابا نويل المرح” التي رسمها عام 1881. فعلى الرغم من مظهرها الاحتفالي، فإنها تخفي رسالة سياسية مباشرة. فسانتا في اللوحة لا يحمل كيس ألعاب تقليديًا، بل حقيبة عسكرية، ويتزيّن برموز الجيش، بينما يتحوّل حصان اللعبة إلى استعارة لحصان طروادة، في إشارة إلى ما اعتبره ناست مراوغة حكومية في التعامل مع مطالب الجنود بزيادة رواتبهم.
حتى ساعة الجيب في اللوحة، المضبوطة على وقت محدد، كانت تذكيرًا بأن الوقت ينفد أمام مجلس الشيوخ لاتخاذ قرار عادل.
لوحة “بابا نويل المرح” المعروفة بالإنكليزية باسم Merry Old Santa Claus، والتي رسمها توماس ناست عام 1881
صورة تعيش أكثر من صانعها
استمر ناست في رسم “سانتا كلوز” حتى عام 1886، وبلغ عدد رسوماته 33 عملًا، شكّلت مجتمعة الأساس البصري للشخصية كما نعرفها اليوم. ومع أن هذه الرسومات وُلدت في سياق سياسي واجتماعي محدّد، فإنها نجحت في تجاوز زمنها، لتتحوّل إلى رمز عالمي يتكرّر كل عام، بعيدًا عن دلالاته الأصلية.
وهكذا، بينما يفتح ملايين الأطفال حول العالم هداياهم في صباح عيد الميلاد، قلّة فقط تتذكّر أن الصورة التي تبتسم لهم من الإعلانات والنوافذ والبطاقات، وُلدت ذات يوم من ريشة فنان استخدم الخيال والرمز، لا للاحتفال فقط، بل أيضًا للتأثير، والإقناع، وصناعة المعنى.
المراجع
-
History.com Editors (2025). Santa Claus. HISTORY.com. يناقش هذا المصدر تطوّر شخصية سانتا كلوز منذ أصولها المرتبطة بالقديس نيكولاس في القرن الثالث الميلادي، مرورًا بصياغة الصورة الحديثة في القرن التاسع عشر وتحوّلها إلى أيقونة ثقافية معروفة عالميًا.
رابط المرجع:
-
Encyclopaedia Britannica (2025). Christmas; Santa Claus. Britannica.com. يُقدّم هذا المرجع نظرة شاملة على عيد الميلاد وتاريخه، ويؤكّد أن الصورة الشائعة لسانتا كلوز تستند إلى تقاليد مرتبطة بالقديس نيكولاس، وتبيّن كيف تداخلت المظاهر الدينية والثقافية في احتفالات العيد. Encyclopedia Britannica+1
رابط المرجع: -
Lorraine Boissoneault (2018). A Civil War Cartoonist Created the Modern Image of Santa Claus as Union Propaganda. Smithsonian Magazine. يسلّط هذا المقال الضوء على دور رسّام الكاريكاتير توماس ناست في بلورة صورة سانتا كلوز الحديثة في الولايات المتحدة خلال الحرب الأهلية، وكيف وظّفها في مرات عديدة لأغراض سياسية ورمزية. Smithsonian Magazine


