أجابت دار الإفتاء المصرية عن سؤال ورد إليها بشأن حكم الحدث أثناء الطواف، لاسيما لمن أخرج ريحًا في طواف العمرة ثم أتم نسكه دون إعادة الوضوء وما إذا كان عليه حرج في ذلك. وأوضحت الإفتاء أن الفقهاء اختلفوا في حكم من أحدث أثناء الطواف، مبينة أن الخروج من هذا الخلاف يقتضي أن يعيد المحدث وضوءه ثم يعود ليستانف طوافه من جديد، فإن شق عليه ذلك فله أن يبني على ما طافه تقليدًا لمن أجاز ذلك من الفقهاء، وأما من أتم طوافه من غير طهارة وعاد إلى بلده فإن طوافه يصح على مذهب السادة الحنفية ويلزمه ذبح شاة في الحرم.
ويُعد الطواف بالكعبة المشرفة عبادة من أفضل العبادات وقربة من أشرف القربات، وهو أنواع عدة منها طواف الإفاضة وهو ركن من أركان الحج، وطواف العمرة وهو ركن من أركانها، استنادًا لقوله تعالى في سورة الحج: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾. كما يُستحب الطواف ابتداء من غير حج ولا عمرة ويُثاب عليه المسلم ثوابًا عظيمًا، وقد أخرج الفاكهي في “أخبار مكة” عن الحجاج بن أبي رقية أنه كان يطوف بالبيت فلقي ابن عمر رضي الله عنهما فقال له: “استكثروا من الطواف؛ فإني سمعت رسول الله صلى عليه وآله وسلم يقول: مَنْ طَافَ بِهَذَا الْبَيْتِ حَتَّى تُوجِعَهُ قَدَمَاهُ، كَانَ حَقًّا عَلَى اللهِ تَعَالَى أَنْ يُرِيحَهُمَا فِي الْجَنَّةِ”.
ولأن الطواف عبادة متعلقة بالبيت الحرام كما تعلقت به الصلاة، فقد أخرج الترمذي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: “الطَّوَافُ حَوْلَ البَيْتِ مِثْلُ الصَّلَاةِ، إِلَّا أَنَّكُمْ تَتَكَلَّمُونَ فِيهِ”. ولذا شُرع التطهر للطواف من الأحداث والأنجاس كالصلاة، وثبت في الصحيحين عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أول شيء بدأ به حين قدم مكة أن توضأ ثم طاف بالبيت، كما قال صلى الله عليه وآله وسلم في صحيح مسلم: “لِتَأْخُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ”، وهو ما يقتضي وجوب كل ما فعله إلا ما قام دليل على عدم وجوبه.
واستدل جمهور العلماء من المالكية والشافعية والحنابلة بما ورد من تشبيه الطواف بالصلاة وبفعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم في حجة الوداع على أن الطهارة من الأحداث والأنجاس شرط لصحة الطواف، فمن طاف محدثًا فطوافه باطل لا يُعتد به ويجب عليه إعادته. وحمل الجمهور حديث ابن عباس على الدلالة المعتبرة لكونه قول صحابي اشتهر ولم يخالفه أحد وهو مما لا مدخل فيه للرأي. وفي المقابل، ذهب الحنفية ورواية عن الإمام أحمد إلى أن الطهارة ليست شرطًا في الطواف بل هي واجبة، فمن طاف محدثًا فالأفضل أن يعيد طوافه، فإن لم يعده صح طوافه وعليه دم.
وعلى ضوء ذلك، بينت دار الإفتاء أن من أحدث في طوافه فعليه أن يقطعه فيتوضأ ثم يعود فيستأنف طوافه خروجًا من الخلاف، فإن شُق عليه ذلك فيجوز له أن يبني على ما طافه تقليدًا لمن أجاز. وفي واقعة السؤال المحددة، فإن طواف السائل صحيح على قول الحنفية خاصة أنه قد عاد إلى بلده، ويلزمه ذبح شاة في الحرم.