إرث عبد الناصر والسادات ما بين “سواق الأتوبيس” و”العار”

يُعتبر فيلما “سواق الأتوبيس” و”العار” من أبرز أفلام السينما المصرية في ثمانينيات القرن الماضي. ورغم اختلاف الانشغالات الجمالية بين مخرجي العملين، عاطف الطيب وعلي عبد الخالق، فإنّ فيلميهما صدرا عن هواجس واحدة استحوذت على صنّاع السينما في تلك الحقبة.
وتتمثّل هذه الهواجس في رصد تحوّلات المجتمع المصري بعد حرب عام 1973، وانتهاج الرئيس الراحل محمد أنور السادات سياسة الانفتاح على الغرب، التي تُوّجت بتوقيع القاهرة اتفاقية كامب ديفيد للسلام بين مصر وإسرائيل.\
وشهدت ثمانينيات القرن الماضي صعود ما بات يُسمّى منذ ذلك الوقت تيار “السينما الجديدة” في مصر، بتأثير من موجة “هوليوود الجديدة” التي ظهرت في الولايات المتحدة الأميركية في نهاية ستينيات القرن الماضي وسبعينياته، وكان من أبرز رموزها فرانسيس فورد كوبولا وستانلي كوبريك ومارتن سكورسيزي وبراين دي بالما وستيفن سبيلبرغ وآخرون، وقد سعى هؤلاء إلى التحرّر من هيمنة شركات الإنتاج الكبرى.
عاطف الطيب أخرج سواق الاتوبيس عام 1982-مواقع التواصل
سواق الأتوبيس والواقعية الجديدة
وهذا ما فعله تيار “السينما الجديدة” في مصر، الذي كان من أبرز رموزه محمد خان وعاطف الطيب وخيري بشارة وداود عبد السيد وبشير الديك، الذين أنتجوا معًا موجة الواقعية الجديدة في السينما المصرية
يعيد بعض مؤرخي السينما المصرية هذا التوجه إلى تأثّر هؤلاء بالواقعية الجديدة في السينما الإيطالية التي ظهرت بعد الحرب العالمية الثانية، بينما يرى آخرون أنّ الواقعية الجديدة في مصر هي إرث خالص إلى حدّ كبير يعود إلى سينما صلاح أبو سيف، الذي يُوصَف بـ”أب الواقعية” في السينما المصرية.
وعُني تيار الواقعية الجديدة في السينما المصرية بواقع المواطنين العاديين والطبقات الفقيرة التي تضرّرت أكثر في حقبة الانفتاح، بعد عقود من الانشغال السينمائي بقصص الطبقة الأرستقراطية.
وتجلّى ذلك سينمائيًا في كثرة المشاهد الخارجية المصوَّرة في شوارع القاهرة والمدن المصرية، بعيدًا عن الاستديوهات المغلقة.
وينتمي علي عبد الخالق (1944-2022) إلى هذا التيار، في أفلامه الأولى على الأقل، ومنها “أغنية على الممر” و”العار” و”الكيف”.
نور الشريف ومحمود عبد العزيز وحسين فهمي في “العار”-مواقع التواصل
فيلمان بهواجس واحدة
أُنتج فيلما “سواق الأتوبيس” لعاطف الطيب و”العار” لعلي عبد الخالق في العام نفسه (1982)، وتناولا بعمق إرث الأب الذي يتعرّض لخطر الزوال في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، وما أنتجه ذلك من محنة لدى الأبناء في بحثهم عن الخلاص.
وبينما تُوفّر العودة إلى إرث الماضي أو إلى الإجماعات الوطنية (المحلية) خلاصًا للأبناء في “سواق الأتوبيس”، يصبح الخلاص في “العار” فرديًا ومحض ذاتي، ويكاد يكون عدميًا.
ولا يتقاطع الفيلمان في هذه المسألة فقط، بل في كونهما يقدّمان بنية سينمائية تكاد تكون واحدة، كأنهما فيلم واحد عولج من زاويتين مختلفتين؛ فمسار السرد والبناء الدرامي فيهما يكاد يكون متطابقًا: أب يموت أو هو على وشك الموت، يترك إرثًا يكاد يتبدّد إذا لم يهرَع الأبناء لتدارك الوضع.
ميرفت أمين وعاطف الطيب خلال تصوير أحد مشاهد “سواق الأتوبيس” – مواقع التواصل
واللافت أن يكون الفيلمان قد أُنتجا في العام نفسه، وأن يحوزا موقعًا متقدّمًا في قائمة أفضل مئة فيلم في تاريخ السينما المصرية التي صدرت عام 1996؛ ففيلم “سواق الأتوبيس” جاء في المرتبة الثامنة في القائمة، و”العار” في المرتبة السادسة والخمسين، إضافة إلى كون كليهما محكومًا بالهواجس الفكرية والسينمائية ذاتها، رغم اختلاف مقاربتيهما للأحداث التي تناولاها.
سواق الأتوبيس والخلاص الجماعي
يبدأ “سواق الأتوبيس” وينتهي بحدث يكاد يكون واحدًا، ويدور في حافلة نقل عام يقودها حسن (نور الشريف). ففي بداية الفيلم، يسرق أحد النشّالين محفظة إحدى السيدات في الحافلة، لكن السائق الذي يراه لا يبذل جهدًا حقيقيًا لملاحقة اللص؛ يكتفي بإغلاق باب الحافلة، فيفرّ اللص من إحدى النوافذ.
هل يلاحقه؟ يبدو حسن مترددًا. يفتح باب الحافلة الجانبي الذي بقربه، ينظر إلى اللص وهو يبتعد، ثم يستجيب لإلحاح السيارات التي توقفت وراءه كي لا يغلق الطريق أمامها، ويمضي في طريقه.
الاب والابن عماد حمدي ونور الشريف وبينهما المخرج عاطف الطيب-مواقع التواصل
في نهاية الفيلم تتكرّر المقدمات نفسها تقريبًا، لكن النتيجة تختلف. ثمة نشّال يسرق إحدى السيدات أيضًا، يغلق حسن أبواب الحافلة فيفرّ اللص من النافذة كما حدث في مشهد البداية، لكن حسن لا يتردد هذه المرة، ولا يمضي في طريقه كما فعل سابقًا؛ بل يركض وراء اللص ويتصارع معه قبل أن يبرّحه ضربًا وهو يصرخ: “يا ولاد الكلب”، لينتهي الفيلم على إيقاع موسيقى نشيد “بلادي بلادي”.
صورة الأب وإرثه
ما بين المشهدين، نعاين مصر كلها وهي تغرق في خضم التحوّلات الكارثية التي أعقبت حرب عام 1973 والانفتاح على الغرب؛ فبينما يبدو الانتصار في الحرب (الخارج) ممكنًا، تبدو الهزيمة قدرًا يكاد لا يُردّ في الداخل.
كل شيء ينهار: ورشة النجارة الخاصة بالأب (عماد حمدي) التي تحجز عليها دائرة الضرائب ويقترب موعد بيعها في مزاد علني، العائلة التي تتفكك، القيم التي تنهار، الشقيقة التي تشرف على “تسليع” نفسها وبيعها لرجل متقدّم في السن لإنقاذ ورشة الأب.
في “سواق الأتوبيس” يصبح إنقاذ ورشة النجارة دفاعًا عن الشرف والصناعة الوطنية، بينما يتحوّل الإرث في “العار” إلى مال ملوَّث بخطيئة تجارة المخدرات.
في الوقت نفسه، تصعد طبقة جديدة متوحّشة تنقضّ على إرث الصناعة الوطنية واقتصاد الإنتاج، لصالح شركات الاستثمار الأجنبية التي تغرق الأسواق بالبضائع المستوردة، فيتحوّل المنتج المحلي إلى مجرّد وكيل أو وسيط.
يتكثّف كل ذلك في حالة الأب الذي يكاد يفقد إنجاز عمره: ورشة النجارة التي أوكل إدارتها إلى أحد أصهاره، ويصبح على الابن حسن، الجندي السابق الذي شارك في ملحمة عبور قناة السويس في حرب 1973، أن ينقذ إرث الأب؛ فالورشة ليست باب رزق فحسب، بل معنى وجود الأب نفسه، وسمعته وشرفه أيضًا.
يتناول “سواق الأتوبيس” التحوّلات العسيرة لمصر في حقبة الانفتاح – مواقع التواصل
التحوّلات العاصفة في حقبة الانفتاح
يفاجأ الابن حسن الذي يعمل سائق حافلة عامة (أتوبيس) في النهار وسائق سيارة أجرة في الليل، بتراكم الضرائب على ورشة أبيه واحتمال الحجز عليها، فيلجأ إلى شقيقاته طلبًا للعون.
يسافر إلى بورسعيد ودمياط، لعلّ شقيقتيه اللتين ساعدهما الأب مع زوجيهما بعد هزيمة 1967 تساعدانه في جمع المبلغ المطلوب لفكّ الحجز عن الورشة؛ لكن زوج الأولى، الذي يعمل في بيع الأجهزة المستوردة التي ازدهرت في حقبة الانفتاح، يُراوِغ ويتملّص، بينما يقترح زوج الثانية، الذي أصبح تاجرًا كبيرًا، بيع الورشة أو هدمها وبناء عمارة جديدة مكانها.
يعود حسن محبطًا، فيطرح على زوجته (ميرفت أمين) فكرة بيع سيارة الأجرة التي ساهمت في شرائها ببيع مصوغاتها الذهبية، فترفض.
يرصد “سواق الأتوبيس” تفكّك العائلة وانهيار القيم في حقبة السادات – مواقع التواصل
يزداد إحباط حسن، ويدخل على خطّ الأحداث تاجر المخدرات السابق أبو عميرة، الذي يرغب في الزواج من الشقيقة الصغرى، ويعرض على الأب تسديد قيمة الضرائب كاملة مقابل إتمام الزواج.
ومع اقتراب نهاية المهلة المحدّدة لطرح الورشة في المزاد، تزداد علاقة حسن سوءًا بزوجته التي تبدأ تعلّم اللغة الإنجليزية استعدادًا للعمل في إحدى شركات الاستثمار الأجنبية التي راحت تتكاثر في البلاد.
في مشهد شديد الدلالة، يزور أبو عميرة بيت العائلة، ويضع على الطاولة المبلغ المطلوب لفكّ الحجز عن الورشة مقابل زواجه من الابنة الصغرى؛ يرفض الأب العرض، ويطلب منه أن يغادر البيت ويأخذ نقوده معه.
محنة الخيارات الصعبة
يصوّر عاطف الطيب مشهد رفض الأب “بيع” ابنته لإنقاذ ورشته بطريقة تعكس رؤيته للقيم التي يجسّدها هذا الرجل؛ فيعمد إلى تصويره واقفًا لكن من الأسفل، بحيث يظهر الأب عملاقًا عندما يرفض، في انحياز لا يقول بل يشير، بلغة السينما لا الشعارات والمقولات الجاهزة.
في المقابل، يعيش حسن محنة أخرى؛ إذ يقترح على زوجته بيع سيارة الأجرة لإنقاذ إرث العائلة، فترفض وتصرّ على أن هذا يعني عمليًا طلاقها، فلا يتردّد في تطليقها.
يستعيد حسن رفاق السلاح في حرب 1973، فيلتقون ويتذكّرون بطولات تلك الحقبة، ثم يبدأون في البحث معه عن حلّ لأزمته، عبر مساهمات فردية منهم ومن زوج إحدى شقيقاته التي تعمل في الكويت.
بين ورشة نجارة مهددة بالحجز وصفقة مخدرات مدفونة في “الملاحات”، تقرأ السينما المصرية تحوّلات مصر من عبد الناصر إلى السادات ومن الصناعة إلى الانفتاح.
في الوقت ذاته، تجتمع زوجات الأشقاء في بيت الأب لإعلان رفضهن بيع البيت أو حتى الورشة، ويطالبن بحصصهن من الإرث، فينشب صراع بينهن وبين حسن الذي يتهمهن بمحاولة اقتسام الأب وهو ما يزال حيًّا، بعدما عجزوا عن إنقاذ ورشته أو ردّ الجميل له.
يطردهم حسن من البيت، فيسقط الأب طريح الفراش. ومع ذلك، ينجح حسن ورفاقه في جمع المبلغ قبل الموعد المحدّد لبيع الورشة، فيذهب إلى بيت العائلة ليزفّ البشرى لأبيه، لكن شقيقاته وأزواجهن يسبقونه طلبًا لحصصهم من الميراث. وبوصوله، يسمع صراخًا في الداخل: الأب مات قبل أن يعرف أنّ ابنه أنقذ ورشته وسمعته.
الورشة.. شرف مصر وسمعتها
تبدو الورشة المتنازع عليها (التي يديرها زوج إحدى الشقيقات ويتحمّل مسؤولية إفلاسها) ميراثًا يتعدى الابن إلى مصر نفسها بعد رحيل الرئيس جمال عبد الناصر؛ فهي السمعة والشرف، وهي الصناعة الوطنية في مواجهة الاستثمارات والوكالات الأجنبية. ويمثّل الحفاظ عليها معنى وجود الأب، ثم الابن لاحقًا، وصون شرفهما وسمعتهما.
في حوار بين الأب والابن في الورشة، يسأل الأب نجله حسن:
الأب: سكّرتها ليه يا حسن؟
الابن: حسيت أنها لحمي ولازم أداريه عن عيون الناس.
الأب: أنا حبيع الورشة.
الابن: لا.. مستحيل.
الأب: أحسن ما أبيع أختك.
الابن: لا الورشة ح تتباع ولا كوثر ح تتزوج أبو عميرة.
نور الشريف ونورا في فيلم العار من اخراج علي عبد الخالق-مواقع التواصل
“العار”.. إرث الخطيئة
إذا كان إرث الأب في “سواق الأتوبيس” يمثّل شرفه وسمعته فإنه يبدو في فيلم “العار” لعلي عبد الخالق قائمًا على الخطيئة، فالأب الذي يمتلك متجرًا للعطارة، يُقدّمه الفيلم متدينًا، طيبًا، كريمًا، لكنه سرعان ما يكشف حقيقته الآثمة لاتّجاره بالمخدرات، وهو ما يُعرف بعد موته بحادث سير في المشاهد الأولى من الفيلم.
ينفجر سؤال الإرث من جديد لدى أفراد العائلة المرفّهة الذين تتزايد مطالبهم، ليفاجئهم كمال، الشقيق الأكبر (نور الشريف) ويد الأب اليمنى في العمل، بأن والدهم لم يترك وراءه مالًا سائلًا، بل صفقة واحدة قد تدرّ عليهم ملايين الجنيهات، وأن هذه الصفقة ليست سوى شحنة مخدرات.
الإرث هنا لا يتعلّق بصناعة وطنية ولا باستقلال قرار، بل بعمل يُخالف القانون والأخلاق معًا، على النقيض التام من الصورة التي حرص الأب على إظهارها عن نفسه.
يحاول كمال، الابن الأكبر، استعادة مال أبيه وإنقاذ سمعته في آن واحد، بينما ينظر شقيقاه الآخران (حسين فهمي، رئيس النيابة، ومحمود عبد العزيز، الطبيب في مستشفى للأمراض النفسية) إلى الصفقة بوصفها فرصة مالية ضخمة فقط، لا علاقة لها بالشرف أو السمعة.
هكذا يقوم “العار” على التناقض بين الأخلاق المعلنة والسلوك الفعلي، لا الانسجام بين السلوك والسمعة، خاصة بعد قبول الشقيقين العمل مع كمال لاستلام المخدرات التي عقد الأب صفقتها قبل موته. كما يقوم على الفجوة بين الرغبة في الحفاظ على الصورة “النظيفة” وبين التورّط في استكمال إرث الأب القائم على تجارة المخدرات.
بنية سردية واحدة.. بمعنيين متعاكسين
بهذا المعنى، يسير “العار” على المسار السردي نفسه تقريبًا الذي يتّبعه “سواق الأتوبيس”، لكن بمعنى مختلف أو مضاد كليًا.
فالإرث في الفيلمين متنازع عليه وإن اختلفت طبيعته، لكنه يتعلق بأب واحد حتى لو ظهر في عملين منفصلين، وبحقبة واحدة أدارها الأشخاص أنفسهم في تاريخ البلاد، وبأبناء متشابهين لا يعنيهم سوى المال أو المصلحة المباشرة، باستثناء ابن واحد في كلا العملين.
ومن اللافت أن يكون نور الشريف هو من يجسد في الفيلمين معًا شخصية الابن الذي يحاول إنقاذ إرث الأب، وإن كان السياق الأخلاقي مختلفًا تمامًا بين عمل وآخر. كأن سؤال مصر الأكبر لم يكن في المآلات التي وصلتها وحسب بل في أسبابها أيضًا، في الأب لا الأبناء.
ففي “سواق الأتوبيس”، إهمال الأب إدارة ورشته وتكليف الصهر الفاسد إدارة العمل أدّيا إلى إفلاس الورشة وتعريضه لاحتمال الفضيحة وتشتّت العائلة. وفي “العار”، تجارة الأب بالمخدرات هي أصل المحنة التي تقع فيها الأسرة، بكل ما تحمله من انهيارات أخلاقية ونفسية.
يتناول فيلم “العار” إرث الأب من تجارة المخدرات – مواقع التواصل
ينتهي “العار” بغرق زوجة الابن الأكبر، وانتحار الشقيق الثاني (رئيس النيابة)، وإصابة الشقيق الثالث (الطبيب النفسي) بالجنون، بعد تلف المخدرات التي كانت مخزّنة بطريقة خاطئة في مياه “الملاحات”.
في المقابل، يُكلَّل المسعى الجماعي المستند إلى منظومة أخلاقية مشتركة في “سواق الأتوبيس” بالنجاح في إنقاذ الورشة، حتى وإن لم يَعلَم الأب بذلك قبل موته؛ ما يفسّر نهاية الفيلم بقرار حسن إيقاف الحافلة وملاحقة اللص والانتقام منه، في مقابل المصائر البائسة لأبطال “العار” الذين يتهاوون واحدًا بعد الآخر.
إنه إرث الأب الذي يبدو مختلفًا بحسب زاوية مقاربته: مرّة بوصفه شرفًا وسمعة وصناعة وطنية، ومرّة بوصفه خطيئة ومالًا ملوَّثًا. وهو اختلاف يعكس رؤيتين سينمائيتين لفترة تاريخية واحدة، في فيلمين أُنجزا في العام نفسه، وسارا على بنية سردية واحدة تقريبًا، لكن بنهايتين متباعدتين إلى الحدّ الأقصى.


