كشفت دراسة أثرية وعلمية حديثة عن مفاجأة تاريخية داخل مقبرة تعود إلى نحو 1600 عام في شمال ألمانيا، حيث عثر الباحثون على بقايا رجل كان مصابًا بسلالة نادرة من بكتيريا الجذام لم يسبق التعرف عليها في هذه المنطقة من القارة الأوروبية، مما يعزز الفهم العلمي حول حركة انتقال الأمراض وتطورها خلال العصر الروماني المتأخر.
وأظهرت التحليلات الجينية لبقايا الرجل إصابته ببكتيريا المتفطرة الجذامية المسببة للمرض، كما تبين أن أصوله الوراثية ربما تعود إلى منطقة نهر الدانوب في وسط وجنوب شرق أوروبا، رغم دفنه في منطقة ساحلية تقع حالياً شمال غرب ألمانيا.
تعود تفاصيل القصة إلى موقع فالدوارد الأثري في شمال غرب ألمانيا، حيث اكتشف علماء الآثار خلال حفريات أُجريت في تسعينيات القرن الماضي مقبرة تضم نحو 200 عملية حرق جثامين و60 مدفنًا للموتى. ولفت انتباه الباحثين قبر رجل دُفن داخل قارب خشبي من خشب البلوط يزيد طوله على 4 أمتار، وكان القارب محكم الإغلاق بغطاء يشبه السقف.
ولم يكن القارب العنصر اللافت الوحيد، إذ عُثر مع الرجل على مقتنيات ذات طابع روماني، تشمل حزامًا عسكريًا وأثاثًا خشبيًا منحوتًا، مما يشير إلى مكانته الاجتماعية المرتفعة أو ارتباطه بالعالم الروماني خلال الفترة بين القرنين الرابع والخامس الميلاديين.
وفي الدراسة المنشورة بدورية آي ساينس، حلل الباحثون عينات عظمية من 11 شخصًا دُفنوا في الموقع للتعرف على أصولهم الوراثية والبحث عن آثار مسببات الأمراض القديمة. وأكدت النتائج وجود الحمض النووي لبكتيريا الجذام في عينات مأخوذة من أسنان وعظام كعب أحد الرجال، الذي حمل الرمز جي 265 في الدراسة.
وعند مقارنة الجينوم البكتيري بعينات قديمة وحديثة، اكتشف الباحثون أن السلالة تنتمي إلى الفرع التطوري الرابع، وهو فرع نادر من بكتيريا الجذام لم يُعثر على ممثل له سابقًا في أوروبا ضمن المقارنات المعروفة. وتشير المقارنات إلى أن أقدم إصابة معروفة لهذا الفرع اكتُشفت في مومياء مصرية تعود إلى الفترة بين القرنين الرابع والثاني قبل الميلاد، مما يضفي أهمية تاريخية كبرى على الاكتشاف الألماني.
ورغم تأكيد وجود الحمض النووي للبكتيريا في بقايا الرجل، لم يعثر العلماء على تلف عظمي واضح يشير إلى إصابته الظاهرة بالجذام. ويوضح الباحثون أن الجذام مرض مزمن قد يستغرق سنوات طويلة حتى تظهر أعراضه، كما أنه لا يسبب بالضرورة تغيرات في العظام لدى جميع المصابين.
ويطرح العلماء احتمالين لتفسير الحالة؛ الأول أن الرجل كان مصابًا بصورة لا تظهر أعراضًا واضحة، والثاني أن العدوى أثرت في الأنسجة الرخوة دون أن تصل إلى مرحلة إحداث تلف عظمي. كما يرجح الباحثون توفيه بسبب آخر غير الجذام.
وأوضحت التحليلات الوراثية أن الرجل لم يكن من السكان المحليين، بل أظهر تشابهًا مع مجموعات بشرية عاشت على الحدود الرومانية بمنطقة الدانوب في مناطق تقع حاليًا ضمن كرواتيا وسلوفينيا والمجر وصربيا، وتبعد أكثر من 1400 كيلومتر عن مكان دفنه.
وطرح العلماء احتمال أن يكون الرجل جنديًا مرتزقًا خدم في الجيش الروماني ثم استقر في شمال ألمانيا، أو تاجرًا تنقل لمسافات طويلة، دون استبعاد وصول مقتنياته الرومانية عن طريق التجارة أو الميراث أو الغنائم. وتؤكد الدراسة أن تاريخ الأمراض المعدية يرتبط ارتباطًا وثيقًا بتاريخ الهجرات والتواصل بين الحضارات القديمة.
