تعود لوحة “فيل دور” الشهيرة للفنانة الراحلة ليونورا كارينجتون إلى واجهة المشهد الثقافي العالمي، حيث تُعرض في العاشر من نوفمبر الجاري بمدينة نيويورك الأمريكية ضمن مزاد علني تنظمه دار “هيريتدج”. وتشير التقديرات الأولية للدار إلى أن العمل الفني، الذي غاب عن الأنظار لأكثر من سبعين عامًا، قد يحقق سعراً يتراوح بين 250 و350 ألف دولار أمريكي.
ويحمل اسم اللوحة باللغة الفرنسية معنى “الخيط الذهبي”، وهو التعبير المستخدم عادة للإشارة إلى الأسلاك المعدنية الدقيقة التي تُطرز بها الأقمشة الفاخرة والأزياء الراقية. وتجسد اللوحة بصرياً طائراً كونياً يبدو كأنه مغزول من خيوط متقاطعة تتلاقى وتنبثق من مركز واحد يمثل مجرة ذهبية نابضة في موضع قلب الكائن. ووفقاً لبيان دار المزادات، فقد تعمدت الفنانة اختيار هذا العنوان لتبعد ذهن المشاهد عن التفسير الحرفي المباشر، وتدفعه نحو استكشاف معانٍ بديلة ومتداخلة تعتمد على استجابته العاطفية، لتؤكد في النهاية على تعدد أبعاد الكلمات وتتساؤل عن مدى قدرتنا الحقيقية على استيعابها وفهمها.
وفي الجانب التقني، استعانت كارينجتون في تنفيذ هذا العمل بأسلوب فني يُعرف بـ”الخدش”، وهي تقنية مبتكرة طوّرها شريكها السابق الفنان ماكس إرنست. تعتمد هذه الطريقة على كشط طبقات الطلاء الرطبة باستخدام شفرة أو ملعقة، مما يسهم في إبراز تباينات ومظاهر ملمسية غير متوقعة، ويمنح العمل طاقة حركية عفوية توحي للمشاهد وكأن اللوحة تعيد تشكيل نفسها تلقائياً.

وقد أبدعت كارينجتون هذه اللوحة خلال فترة إقامتها في المكسيك، التي فرت إليها هرباً من ويلات اندلاع الحرب العالمية الثانية في القارة الأوروبية. وشكّلت هناك مجتمعاً فكرياً وفنياً نابضاً بالتعاون مع زميلاتها من الفنانات اللاجئات، وعلى رأس هن الرسامة السريالية ريميديوس فاروس والمصورة كاتي هورنا، حيث وجدت في البيئة المكسيكية مناخاً خصباً للإبداع وتطوير تجربتها الفريدة.
وتأتي هذه العودة للوحة “فيل دور” في وقت تشهد فيه أعمال الرائدات السرياليات طفرة قياسية وغير مسبوقة في سوق الفن العالمي خلال العقد الأخير. وكانت هذه الطفرة قد تلقت زخماً كبيراً بفضل بينالي البندقية عام 2022 بقيادة سيسيليا أليماني، والذي استلهم شعاره مباشرة من كتاب كارينغتون الشهير “حليب الأحلام”. وبلغت هذه الطفرة السعرية ذروتها في عام 2024، حينما حطمت لوحة أخرى للفنانة تحمل عنوان “مشتتات داغوبير” الصادرة عام 1945 الأرقام القياسية ببيعها في مزاد شهير بمبلغ أسطوري قدره 28.5 مليون دولار، لتقفز بقيمتها السوقية بعيداً عن رقمها القياسي السابق الذي سجلته عام 2022 والبالغ 3.2 مليون دولار.
يذكر أن ليونورا كارينجتون قد رحلت عن عالمنا في مكسيكو سيتي عام 2011 عن عمر ناهز 94 عاماً، تاركة خلفها مسيرة حافلة بالنجاح كفنانة تشكيلية وأديبة بارزة، لتستمر أعمالها اليوم في جذب اهتمام المقتنين ودور المزادات الكبرى حول العالم.