بينما يحتاج معظم البالغين إلى فترة تتراوح بين سبع وتسع ساعات من النوم لضمان الأداء البدني والذهني السليم، يشير العلم إلى وجود فئة نادرة من البشر قادرة على الاكتفاء بأربع إلى ست ساعات يومياً دون المعاناة من الآثار الصحية المعتادة للحرمان من النوم. ويعود هذا الاستثناء البيولوجي إلى طفرات جينية فريدة تؤثر بشكل مباشر على الاحتياجات الأساسية للجسم من الراحة.
تتجلى هذه الحالة بوضوح في نموذج إيمي بو برنارد، أستاذة علم المناعة بجامعة كولورادو، التي دأبت منذ صغرها على الاستيقاظ مبكراً في تمام الرابعة والنصف صباحاً دون رغبة في العودة للفراش. وفي عام 2019، تأكدت برنارد من حملها لطفرة جينية ترتبط بما يُعرف طبياً بمتلازمة قصر النوم الطبيعي العائلي، وهي حالة وراثية نادرة تتيح لأصحابها الاكتفاء بنحو خمس إلى ست ساعات من النوم وممارسة حياتهم اليومية وعملهم بكفاءة عالية.
وفي سياق متصل، نجح الباحثون خلال السنوات الأخيرة في تحديد عدة طفرات جينية متصلة بقصر مدة النوم. وتشير المؤشرات المستمدة من التجارب المخبرية إلى أن بعض هذه الطفرات لا تقتصر على تقليص ساعات النوم فحسب، بل قد تمنح الخلايا والجسم قدرة إضافية على مقاومة بعض التداعيات السلبية المترتبة على قلة النوم. فعلى سبيل المثال، أظهرت تجربة أجريت عام 2019 على فئران أُدخلت عليها طفرات مشابهة لتلك المرتبطة بالمتلازمة العائلية، أن الحيوانات الحاملة للطفرة كانت تنام لفترات أوجز وبدت أقل عرضة لضعف الذاكرة ولنموذج مرض الزهايمر.
وعلى الصعيد البشري، كشفت دراسة أجريت عام 2014 وشملت توأمين غير متطابقين أن الشقيق الحامل للطفرة الجينية كان ينام ساعة أقل مقارنة بشقيقه غير الحامل لها. والأكثر لفتًا للانتباه أن تراجع أداء التوأم الحامل للطفرة بعد البقاء مستيقظاً لمدة ثانية وثلاثين ساعة كان أقل بنحو أربعين بالمائة مقارنة بالآخر. كما لاحظ الباحثون حصول التوأم صاحب النوم الأقصر على قدر مماثل تقريباً من نوم حركة العين غير السريعة، بما يشمل النوم العميق، مما قد يعكس كفاءة أعلى في استثمار ساعات النوم المحدودة.
تدفع هذه المعطيات قطاع البحث العلمي وشركات الأدوية نحو اهتمام متزايد بسبر أغوار الآليات الجينية وراء هذه الظاهرة. ويأمل العلماء أن تفتح هذه الاكتشافات الباب مستقبلاً أمام تطوير علاجات متقدمة لاضطرابات النوم، ومساعدة الفئات التي تضطرها ظروف عملها لقضاء ساعات طوال في اليقظة. ومع ذلك، يشدد الخبراء على ضرورة تووخي الحذر وفهم آلية عمل الطفرات بدقة بالغة قبل الشروع في تطوير أي عقاقير، تحسباً لأي تأثيرات عكسية قد تمس الصحة على المدى الطويل. وفي هذا السياق، تحذر الباحثة يينج-هوي فو من أن تناول أدوية لتقليل الحاجة إلى النوم بلا وعي كافٍ بتداعياتها قد يرفع مخاطر الإصابة بأمراض خطيرة مثل ألزهايمر وباركنسون والسرطان.
ولا تقتصر الخريطة الجينية للنوم على الطفرات النادرة وحدها، إذ تشير التقديرات إلى أن العوامل الوراثية العامة تفسر ما بين ثلاثين وخمس وستين بالمائة من التباين في مدة النوم بين البشر. وقد أظهر تحليل حديث شمل بيانات نحو سستمائة وخمسين ألف شخص بالغ تحديد قرابة مائتين وأربع وأربعين منطقة جينية مرتبطة بمدة النوم، حيث يبدو تأثير كل متغير منفردًا محدودًا للغاية ولا يتجاوز دقيقة واحدة، غير أن اجتماعها قد يخلق فروقاً ملحوظة.
وعلى الرغم من هذه الميزات الجينية المحتملة، يحذر المختصون من أن الاستعداد الوراثي للنوم لفترات قصيرة لا يمثل بالضرورة درع وقاية مطلقاً ضد الأضرار الصحية. فقد ربطت دراسات أخرى بين متغيرات قصر النوم وزيادة احتمالات الإصابة بالأرق والشعور بالإجهاد المستمر، فضلاً عن ارتباطها بمشكلات صحية ونفسية متعددة تشمل اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه وأعراض الاكتئاب والسكري من النوع الثاني.
ويشير الباحث هانز فان دونغن، المتخصص في علوم النوم بجامعة ولاية واشنطن، إلى أن الإنسان قد يشهد تراجعاً تدريجيًا في قدراته الإدراكية مع استمرار قلة النوم، بينما يتزامن ذلك مع فقدانه القدرة على إدراك حجم هذا التراجع الفعلي، مما يؤكد أن تقييم الاحتياجات الحقيقية للنوم يتجاوز مجرد الاعتماد على شعور اليقظة الفردي أو الإجابات العفوية.