تستعد العاصمة البريطانية لندن لاحتضان مزاد واسع النطاق يعرض مقتنيات فنية وتاريخية فريدة، يتصدرها عرض صفحة استثنائية من مصحف شريف يعود تاريخه إلى نحو سبعة قرون، وتحمل تفاصيل فنية نادرة تجسد ذروة إبداع الخطاطين والمزخرفين في العصور الوسطى. وتجذب هذه القطع اهتمام هواة جمع التحف نظراً لاندماج قيمتها الدينية العميقة مع مهارات الصنعة اليدوية القديمة.
وتشير التقديرات الرسمية للقطعة إلى أن سعرها المتوقع في المزاد قد يتراوح بين 50 ألفاً و70 ألف جنيه إسترليني، ما يعادل نحو 3.7 مليون إلى 5.2 مليون جنيه مصري وفقاً لأسعار الصرف الحالية، وذلك نظراً لندرتها الفائقة وما تحمل من قيمة فنية وتاريخية لا تقدر بثمن. ومن المقرر أن تدخل هذه الصفحة ضمن مقتنيات مزاد “فن العالم الإسلامي والهندي” الذي تنظمه دار كريستيز في الثاني عشر من نوفمبر المقبل، بمشاركة أكثر من 230 قطعة أثرية وفنية متنوعة تشمل مخطوطات نادرة، وأعمالاً خزفية، ولوحات، ومشغولات معدنية ومنسوجات تعكس ثراء وتنوع الفنون عبر الحقب التاريخية المختلفة.
وبحسب بيانات دار كريستيز، يُرجح أن تكون المخطوطة قد أُنجزت نحو عام 1310 ميلادياً، في حقبة شهدت ازدهاراً ملحوظاً لصناعة المصاحف المزخرفة في بغداد. وتضم الصفحة الآيات الثلاث الأولى من سورة الهمزة، وهي السورة رقم 104 في ترتيب المصحف الشريف، حيث جرى توزيع النص بعناية فائقة على أربعة أسطر باستخدام خط المحقق المذهب، وهو أحد الأساليب الخطية الفاخرة التي ارتبطت بالمصاحف البارزة.
وتكشف تفاصيل التنفيذ عن عناية فائقة استخدمت فيها ألوان الذهب والفضة والحبر الأسود لإبراز الحروف بدقة، بينما تفصل بين الآيات وحدات زخرفية مستديرة تتداخل فيها النقوش النباتية مع التذهيب. وفي الجزء العلوي من الصفحة، يظهر اسم السورة مكتوباً بالخط الكوفي الأسود والمحاط بتحديد ذهبي، تحيط به مساحة زخرفية تضم نقوش الأرابيسك المتشابكة، فضلاً عن ميدالية دائرية تضفي لمسة جمالية بارزة على الهامش.
ولا تقتصر قيمة الصفحة على مضمونها القرآني وزخارفها الفنية، بل تمثل شاهداً حياً على مستوى التطور البالغ الذي بلغته صناعة المخطوطات الإسلامية إبان حكم الدولة الإيلخانية. وتبلغ أبعاد الورقة نحو 57.7 سنتيمتراً طولاً و42.6 سنتيمتراً عرضاً، وهو حجم كبير يعكس طبيعة المصاحف الفاخرة التي كانت تحظى برعاية واهتمام خاصين في تلك الفترة. يُذكر أن الإيلخانيين سلالة ذات أصول مغولية حكمت مناطق واسعة من إيران والعراق خلال القرنين الثالث عشر والرابع عشر الميلاديين، وشهد عهدهم نهضة واسعة في الفنون والعمارة وإنتاج المخطوطات الفاخرة.
وتنسب الزخارف الدقيقة الموجودة في الصفحة إلى الفنان محمد بن أيبك بن عبد الله، الذي يعد أحد أبرز الأسماء في مجال تذهيب المخطوطات ببغداد خلال بدايات القرن الرابع عشر الميلادي. وتبرز أعماله المهارة الفائقة التي وصل إليها فنانو تلك المرحلة في توظيف الذهب والألوان والزخارف النباتية لتصميم صفحات المصاحف بانسجام يجمع بين جمال الخط العربي ودقة التكوين الفني.
