أبعاد

معادلة صعبة.. هكذا تحافظ على التوازن بين العمل والحياة الشخصية

مع تصاعد ثقافة “العمل المستمر” المدفوعة بالتكنولوجيا والتنافسية المتزايدة، بات الحفاظ على التوازن بين العمل والحياة الشخصية والصحة تحدّيًا يوميًا يواجهه الملايين حول العالم.

باختصار، لم يعد الإرهاق الجسدي والنفسي مشكلة فردية تخصّ أشخاصًا بعينهم، بل أصبح ظاهرة مجتمعية تنعكس مباشرة على جودة الحياة، وكفاءة المؤسسات، واستدامة الاقتصاد نفسه.

ويدرك الموظفون اليوم صعوبة الموازنة بين واجباتهم المهنية وبين جوانب أخرى لا تقلّ أهمية من حياتهم الخاصة، مثل قضاء الوقت مع الأصدقاء والعائلة، والاستمتاع بالأنشطة الترفيهية والمجتمعية، والاهتمام بالصحة الجسدية والنفسية.

عندما يختلّ التوازن بين العمل والحياة الشخصية

عندما يختل هذا التوازن، يدفع الفرد الثمن في شكل توتر مزمن وشعور متزايد بالتعاسة.

فارتفاع مستويات التوتر يرفع بدوره مستوى هرمون الكورتيزول في الجسم، ما يؤدي إلى زيادة الالتهاب، وهو عامل يرتبط سلبًا بالصحة العامة.

وتشير دراسة نُشرت في المكتبة الوطنية الأميركية للطب إلى أنّ الالتهاب المزمن يُعدّ من العوامل المسبّبة أو المساهمة في العديد من الأمراض، من بينها السرطان وأمراض القلب والسكري.

وفي المقابل، يسهم تحقيق توازن صحي بين متطلبات العمل وأبعاد الحياة الشخصية في تحسين جودة الحياة، والتخفيف من التوتر، وتعزيز الصحة والرفاهية على المدى الطويل.

يؤثر اختلال التوازن بين متطلبات العمل والحياة الشخصية على الصحة النفسية والجسدية للعامل- غيتي

حين يتفوّق التوازن على الأجور

بحسب صحيفة “الغارديان”، اكتسب التوازن بين العمل والحياة أهمية متزايدة لدى العاملين حول العالم، إلى درجة أصبح معها الحافز الرئيسي لهم، متقدّمًا حتى على الأجور.

فقد أظهرت نتائج مسح دولي سنوي أُجري على آلاف الموظفين ونُشرت تفاصيله في يناير/ كانون الثاني 2025، أنّ هذا العامل بات في صدارة أولويات العاملين.

إعادة ضبط الحدود بين العمل والحياة تبدأ من قرار شخصي بسيطـ فحين يطغى العمل على كل ما عداه، لا تزيد الإنتاجية بقدر ما تتآكل الصحة والعلاقات والمعنى

وتلفت الصحيفة إلى أنّها المرة الأولى، في تاريخ المراجعة السنوية لشركة التوظيف الدولية “راندستاد” لعالم العمل الممتدّ على مدى 22 عامًا، التي يتفوّق فيها السعي إلى وظيفة تناسب أسلوب الحياة على الراتب، في دلالة إضافية على التحوّل العميق الذي أحدثته جائحة فيروس كورونا في النظرة إلى العمل.

وكان التوازن بين العمل والحياة العامل الأعلى تصنيفًا بالنسبة للعاملين في وظائفهم الحالية أو المستقبلية، بنسبة 83% من أصل 26 ألف موظف شملهم المسح في 35 دولة، وهي النسبة نفسها تقريبًا التي حصل عليها عامل الأمن الوظيفي (83%)، مع تفوّق طفيف على الأجر (82%).

كيفية تحقيق التوازن بين الحياة العملية والشخصية │ من أرشيف برنامج “صباح النور”

 

خطوات عملية لتحقيق التوازن بين العمل والحياة الشخصية

مع ذلك، لا تزال الفرصة متاحة أمام من يرغب في إعادة تنظيم حياته وتحقيق قدر أفضل من التوازن بين عمله وحياته الشخصية.

ويرى موقع “ميرسي وان” أنّ اتباع مجموعة من الخطوات العملية يمكن أن يساعد في ذلك، من بينها:

  • ابتعد عن هاتفك الذكي: ضع حدودًا واضحة حتى لا يتسلّل العمل إلى وقتك الشخصي، وتجنّب التحقق من البريد الإلكتروني أو الرسائل الصوتية المرتبطة بالعمل بعد انتهاء الدوام وفي عطلات نهاية الأسبوع.

  • خصص وقتًا شخصيًا في خطة عملك الأسبوعية: عند تخطيط أسبوعك، احجز وقتًا ثابتًا للانفصال التام عن مسؤولياتك المهنية. خصص مثلًا وقتًا للتنزه في الحديقة، أو لجلسة تدليك مريحة، أو لممارسة هوايتك المفضّلة. ويوصي الموقع بالتعامل مع هذا الموعد الشخصي بالجدية نفسها التي تتعامل بها مع اجتماعات العمل.

  • استغل وقت إجازتك: لا تتردّد في الابتعاد عن ضغوط العمل عند حصولك على إجازة، ففترات الانقطاع القصيرة أو الطويلة تساعد على تجديد النشاط. ومن المرجّح أن تعود من الإجازة أكثر راحة وسعادة، وأكثر قدرة على إنجاز مهامك بكفاءة.

  • تخلّص من مُضيّعات الوقت: اسأل نفسك بصدق: هل يضيف التمرير المتواصل على “إنستغرام” أو متابعة أخبار العمل خارج الدوام قيمة حقيقية إلى حياتك؟ إذا كانت الإجابة “لا”، فقد حان الوقت لإعادة النظر في روتينك اليومي والتخفيف من الأنشطة التي تستنزف وقتك دون فائدة.

  • تعلّم أن تقول “لا”: حدّد ما هو الأهم في حياتك، ودَع أولوياتك ترشدك عندما يُطلب منك الانخراط في مشاريع إضافية غير ضرورية، سواء في العمل أو في المنزل. رفض بعض الطلبات أحيانًا ليس أنانية، بل حفاظ على توازنك وحدودك الصحية.

  • اجعل النوم الكافي عادة: قلة النوم تزيد من التوتر وتُضعف القدرة على التركيز وتقلّل الإنتاجية. الحرص على عدد ساعات نوم كافية ومتواصلة جزء أساسي من أي محاولة لتحقيق توازن حقيقي.

  • احرص على طعام صحي: اختيار وجبات خفيفة وصحية يمنحك الطاقة التي تحتاج إليها خلال اليوم، ويقلّل من التقلبات الحادة في مستويات النشاط والمزاج.

  • توقف عن العمل خلال ساعة الغداء: حاول ألا تقضي استراحة الغداء أمام شاشة الحاسوب. ابتعد عن مكتبك، وتناول وجبتك في مكان آخر، واستفد من بعض الهواء النقي لاستعادة النشاط الذهني.

  • خذ استراحات قصيرة خلال اليوم: فالتوقف لبضع دقائق بين الحين والآخر يساعدك على تصفية الذهن وتحسين القدرة على اتخاذ القرار، ويزيد من قدرتك على التعامل مع التوتر. على مدار اليوم، انهض من مكتبك للحركة، أو لشرب الماء، أو لتناول وجبة خفيفة.

  • اذهب إلى صالة الألعاب الرياضية أو مارس الرياضة بانتظام: قد يبدو الأمر صعبًا وسط الانشغالات، لكن إيجاد وقت لممارسة الرياضة ليس ترفًا، بل استثمار في صحتك الجسدية والنفسية، وهي من أكثر الوسائل الطبيعية فاعلية في تخفيف التوتر.

  • اطلب المساعدة من الآخرين: لا تتردّد في طلب الدعم سواء في العمل أو في المنزل. شارك مخاوفك مع صاحب العمل أو مديرك، وكن جزءًا من الحل عبر اقتراح أفكار عملية لتنظيم المهام أو تحسين بيئة العمل، كما يمكنك توزيع الأعباء المنزلية مع أفراد الأسرة بدل تحمّلها وحدك.

تساعد الاستراحة القصيرة خلال العمل على التعامل مع التوتر- غيتي

في الختام، لا وجود لتوازن “مثالي” واحد يناسب الجميع، ولا لوصفة ثابتة تصلح لكل الأشخاص في كل المراحل. فالتوازن بين العمل والحياة الشخصية مفهوم ديناميكي يتغيّر بتغيّر ظروف الفرد ومسيرته المهنية ومسؤولياته العائلية. المهم هو أن يبقى الشخص واعيًا لحدوده واحتياجاته، وأن يسعى إلى إعادة ضبط المعادلة كلما مالت الكفّة في اتجاه على حساب الآخر.

luh]gm wufm>> i;`h jpht/ ugn hgj,h.k fdk hgulg ,hgpdhm hgaowdm

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ