آخر مكان حر في أميركا.. “سلاب سيتي” حيث يعيش الناس بلا كهرباء

تخيّل أنّه في القرن الحادي والعشرين، يعيش نحو 4 آلاف شخص في بلدة أميركية تفتقر إلى كثير من المرافق الحديثة، مثل شبكات الكهرباء والمياه، فيما يضطرّ السكان إلى ابتكار نظامهم الخاص للتخلّص من مياه الصرف الصحي والقمامة.
للوهلة الأولى، قد لا تبدو بلدة “سلاب سيتي” في صحراء كولورادو ساحرة، إلا أنّها بالنسبة لأكثر من 4 آلاف شخص “موطن خلال فصل الشتاء”، وهي تُوفّر لهم شيئًا يعتبرونه أهم من الراحة: الحرية.
بُنيت “سلاب سيتي” على قاعدة “حصن دونلاب” العسكرية المهجورة قرب نيلاند، على بُعد 200 ميل شرق لوس أنجلس، في قلب صحراء سونورا بجنوب كاليفورنيا.
بُنيت “سلاب سيتي” من ألواح قاعدة “حصن دونلاب” العسكرية المهجورة قرب نيلاند- غيتي
ولدى مغادرة قوات مشاة البحرية الأميركية القاعدة عام 1956، فكّكت المباني العسكرية، تاركةً خلفها الألواح الخرسانية التي كانت تُشكّل أساسات القاعدة.
وعلى الرغم من أنّ ولاية كاليفورنيا استعادت السيطرة رسميًا على الأرض، فإنّها كانت بعيدة جدًا وغير مضيافة، بحيث لم تُولِها الولاية أي اهتمام يُذكر.
لكن عندما عثر موظّفو شركة كيميائية تعمل بالقرب من نيلاند على تلك الألواح الخرسانية، قرّروا أنّها المكان الأمثل لإقامة مستوطنة مؤقتة قرب موقع عملهم. وأصبحت المقطورات الصغيرة التي أحضروها معهم نواة مجتمع “سلاب سيتي” الجديد، الذي استمدّ اسمه من تلك الألواح (slab).
وعلى مدى العقود القليلة اللاحقة، استقطبت البلدة سكانًا من خارج المنطقة. وحتى اليوم، لا يزال مجتمع “سلاب سيتي” مزيجًا متنوّعًا من محدودي الدخل، وسكان المناطق النائية، ومن يبحثون عن سبل للعيش بعيدًا عن صخب المدن وضغوط الحياة الحديثة.
سلاب سيتي.. مدينة بلا قوانين
في هذا المكان المنسي على خريطة كاليفورنيا، لا تُوجد ضرائب عقارية ولا فواتير خدمات، ما يجعل “سلاب سيتي” وجهةً مثالية لمن يسعون إلى إطالة عمر معاشاتهم التقاعدية أو شيكات الضمان الاجتماعي.
وحتى اليوم، يصل عدد سكان البلدة إلى أكثر من 4000 نسمة خلال أشهر الشتاء الباردة، حيث يفد الناس من أماكن بعيدة مثل كندا للاستفادة من دفء الطقس وانخفاض تكلفة المعيشة.
وعندما تبدأ درجات حرارة الصيف بالارتفاع إلى نحو 120 درجة فهرنهايت، يعود معظم السكان إلى منازلهم الأصلية، بينما يبقى في البلدة حوالي 150 شخصًا فقط، وفقًا لصحيفة “الإندبندنت” البريطانية.
كما أنّ الإقامة في “سلاب سيتي” عملية غير رسمية تمامًا؛ فكلّ ما عليك فعله هو العثور على قطعة أرض لا يملكها أحد، ثم تجهيز مقطورة أو كوخ أو خيمة أو شاحنة والإقامة فيها.
وبالتالي، فإنّ العيش في هذا المجتمع يتطلّب قدرًا كبيرًا من الاعتماد على الذات.
شكّلت المقطورات الصغيرة بداية مجتمع “سلاب سيتي” الجديد- غيتي
وتقع أقرب المرافق العامة، بما فيها مياه الشرب، في بلدة نيلاند على بُعد أميال قليلة. كما يتشارك السكان في حمّام واحد يُغذّيه نبع ماء ساخن قريب، ويعتمد معظمهم على خبراتهم التقنية الخاصة لتأمين باقي الخدمات الأساسية.
وللحصول على الكهرباء، يتعيّن على السكان تجميع ألواح الطاقة الشمسية والمولّدات والبطاريات، أو استئجار خدمات “سولار مايك”، وهو خبير في بيع وتركيب الألواح الشمسية من مقطورته منذ ثمانينيات القرن الماضي.
وعلى الرغم من أنّ الشرطة في نيلاند تقوم أحيانًا بدوريات في المنطقة وتستجيب لمكالمات الطوارئ، فإنّ المجتمع يتولّى إلى حدٍّ كبير مهمّة مراقبة نفسه بنفسه.
وفي هذا السياق، يتطلّب العيش في “سلاب سيتي” الالتزام بقواعد سلوكية غير مكتوبة. فبينما يُعدّ تعاطي المخدرات أمرًا شائعًا، يقول السكان إنّه يقتصر عادةً على مناطق محدّدة ومعروفة في المخيم. أمّا أكثر الجرائم شيوعًا فهو السرقة. وفي العادة، لا تلجأ لجان الأمن الأهلية إلى العنف ردًّا على الجرائم، لكن المجتمع غالبًا ما يقاطع الأشخاص المشتبه في سوء سلوكهم ويتجنّب التعامل معهم.
وفي المجمل، تُعتبر “سلاب سيتي” أقرب ما تكون إلى مجتمعٍ ذاتي الحكم في الولايات المتحدة، أو إلى ما يُشبه “آخر مكان حر في أميركا” كما يحبّ بعض سكانها وصفها.
الهروب من رتابة الحياة
المشكلة الأكثر شيوعًا التي يُبلغ عنها سكان “سلاب سيتي” هي الملل، وهو أمر يبدو منطقيًا نظرًا لعيشهم في قلب الصحراء بعيدًا عن مظاهر الحياة الحضرية.
ويجد بعض السكان العزاء في بساطة الحياة، بينما يتكاتف آخرون للهروب من رتابتها. وتضمّ “سلاب سيتي” مركزًا مجتمعيًا ومركزًا للفعاليات يحمل اسم “ذا رينج” (The Range)، يستضيف حفل تخرج سنويًا لسكان المجتمع.
كما يوجد مقهى إنترنت بدائي أشبه بخيمة مزوّدة بجهاز توجيه لاسلكي (راوتر)، بحيث يمكن للسكان استخدام الاتصال بالإنترنت لتنزيل المواد الترفيهية. وقد اعتادوا التجمّع فيه لمشاهدة الحلقة الأخيرة من مسلسل “صراع العروش” (Game of Thrones) ليلة عرضها.
“جبل الخلاص” هو من أشهر معالم “سلاب سيتي”- غيتي
والفن أيضًا جزء أساسي من الحياة في “سلاب سيتي”. ومن أشهر معالمها “جبل الخلاص” (Salvation Mountain)، وهو عبارة عن تلة من الصخور مغطاة بمئات آلاف الغالونات من طلاء اللاتكس، ومزخرفة بصليب كبير ورسائل دينية ملوّنة. ويُعدّ هذا المعلم نتاج حياة ليونارد نايت، أحد أشهر سكان “سلاب سيتي”.
وذكرت صحيفة “لوس أنجلس تايمز” الأميركية أنّ نايت وصل إلى “سلاب سيتي” قادمًا من فيرمونت، حيث كان يعتاش على أعمال متفرّقة شملت اللحام والطلاء، وذلك في ثمانينيات القرن الماضي ومعه منطاد هواء ساخن. في البداية، كانت خطته أن يستخدم البلدة قاعدةً لرحلة بالون عابرة للقارات، لكنّه قرّر الاستقرار فيها بعدما عجز عن الطيران بالمنطاد كما كان يحلم.
وخلال العقود القليلة التالية، بنى نايت “جبل الخلاص” كنصب تذكاري يُجسّد إيمانه. وقد توفي نايت عام 2014، لكنّه ظلّ شخصيةً محترمة وملهمة في مجتمع “سلاب سيتي”.
ومن المواقع المهمة الأخرى في البلدة “إيست جيسوس” (East Jesus)، الذي يُعدّ تجمّعًا فنيًا يعرض فيه السكان منحوتاتهم وأعمالهم الفنية، ومعظمها مصنوع من مواد مُعاد تدويرها، ما يُجسّد مُثُل السكان في الاستدامة والاعتماد على الذات. ويُشكّل هذا النموذج الفريد من الفنّ الذي يُنتجه أشخاص يعيشون على هامش المجتمع جزءًا أساسيًا من جاذبية “سلاب سيتي” الفريدة.
تحديات قانونية.. أيام “سلاب سيتي” باتت معدودة
لكن بالنسبة لمجتمعٍ لطالما عاش على هامش القانون، يبدو المستقبل مجهولًا. فقد ذكرت قناة “Kpbs.org” الأميركية أنّ ولاية كاليفورنيا درست عام 2015 تقسيم أرض البلدة وبيعها لشركات خاصة. ورغم أنّ الاقتراح لم يُسفر عن نتيجة عملية، فإنّه كشف إلى أيّ مدى يُمكن أن يكون وضع المجتمع هشًّا.
وقد أثار ذلك قلق السكان من أنّ أيام “سلاب سيتي” باتت معدودة، وأنّ نهاية ما يُسمّى “آخر مكان حر في أميركا” قد تكون أقرب مما يتمنّون.


