8 أحداث تاريخية شهيرة لم تحدث أبدًا.. ما هي وما أبرز الروايات عنها؟

يُقال إنّ التاريخ يُكتَب بأيدي المنتصرين، ويبدو أنّ هذا القول يجد ما يبرّره في عدد كبير من الروايات التاريخية المتداولة. فالتاريخ، في كثير من الأحيان، لا يُدوَّن بوصفه انعكاسًا حيًّا للواقع كما جرى، بل يُعاد تشكيله وفقًا لأهداف ومصالح من يتصدّون لكتابته، بحيث تغدو أحداث مفصلية عديدة عاجزة عن تقديم صورة كاملة عمّا حدث فعلًا، وتُروى من زاوية واحدة تخدم سردية بعينها.
وفي الحالات الأشدّ تطرفًا، تكون الحقيقة بعيدة تمامًا عن الرواية الشائعة، إلى حدّ أنّ كشفها قد يطيح بكلّ ما ترسّخ في الأذهان حول تلك الحكاية.
وهناك عدد غير قليل من الوقائع الشهيرة التي يظنّ كثيرون أنّها حصلت فعلًا، لكنها لم تقع قط، بدءًا من السفن الغارقة والرحلات الجوية الأولى “التاريخية”، وصولًا إلى احتفالات سنوية مثل يوم كولومبوس وعيد الشكر، وذلك بحسب موقع “أطلس العالم”.
أحداث تاريخية معروفة لم تحدث في الواقع
على مرّ القرون، تشكّلت حول بعض الوقائع قصص راسخة بدت، مع تكرارها، وكأنها حقائق لا جدال فيها. غير أنّ العودة إلى المصادر الموثوقة تكشف أن العديد من هذه الحكايات لم يحدث قط، أو أنّ ما جرى يناقض تمامًا ما استقرّ في الذاكرة الشعبية. وفي ما يأتي أبرز هذه الأحداث التي كبرَت أساطيرها أكثر من واقعها.
1- لم تغرق تيتانيك فقط بسبب اصطدامها بجبل جليدي
قد يُفاجَأ عشّاق فيلم “تيتانيك” عندما يكتشفون أنّ السفينة الفاخرة لم تغرق فقط نتيجة اصطدامها بجبل جليدي، بل كان وراء الكارثة أيضًا حريق هائل في مخزون الفحم، طُلِب من أفراد الطاقم إخفاؤه عن الركاب.
وتشير إعادة فحص الأدلة المتاحة إلى أنّ الحريق ظلّ مشتعلًا لأكثر من أسبوع قبل مغادرة السفينة ميناء ساوثهامبتون في إنكلترا، وأنّ آثار الضرر كانت مرئية من الخارج، وفق موقع “ساينس ألرت”.
ويقدّر الخبراء أنّ الحرارة الناتجة عن الحريق كانت كفيلة بتقليل متانة هيكل السفينة بنسبة قد تصل إلى 75% بحلول لحظة الاصطدام بالجبل الجليدي.
والأسوأ من ذلك أنّ الحريق كان عنيفًا إلى درجة أنّه حتى في حال عدم وقوع الاصطدام، كان يمكن أن تتسبّب سلسلة انفجارات كارثية في غرق السفينة قبل وصولها إلى نيويورك.
لم تغرق سفينة تيتانيك فقط نتيجة اصطدامها بجبل جليدي – غيتي
2- السيدة غوديفا لم تركب حصانًا عارية في المدينة
القصة الشهيرة ذات الصورة البصرية اللافتة، عن امرأة تجوب المدينة عارية على ظهر حصان احتجاجًا على الضرائب الباهظة، لا تستند إلى أساس تاريخي موثوق.
صحيح أنّ هناك امرأة ثرية دارت حولها هذه الأسطورة، لكن اسمها لم يكن “غوديفا”، ولم تُلقَّب قطّ بـ”السيدة”، وبالتأكيد لم تقم بذلك الركوب الاحتجاجي الذي رسخته الحكايات الشعبية.
في الواقع، كان اسمها “غوديفو”، وعاشت في مدينة كوفنتري في إنكلترا في القرن الحادي عشر. ولم تُعرف بلقب “سيدة” لأنّ هذا اللقب كان في ذلك الزمن يُستخدم حصريًا للإشارة إلى الملكة.
تمثال السيدة غوديفا في برودجيت بوسط مدينة كوفنتري – موقع “أطلس العالم”
وكانت كوفنتري آنذاك مجرد مجتمع زراعي صغير، لا يضمّ شوارع أو سوقًا يمكن أن تمرّ به في ركوبها المزعوم، كما أنّ القرية كانت صغيرة إلى حدّ أنّها لم تكن خاضعة للضرائب أصلًا. والأهم من ذلك، أنّه لا يوجد أي ذكر لهذا الحدث الشهير في المصادر المعاصرة، ولم تظهر القصة إلا بعد سنوات طويلة، في كتابات راهب من دير “سانت ألبانز”.
ومع ذلك، لا يعني هذا أنّ غوديفو شخصية لا تستحق الاهتمام؛ وربما لهذا السبب تحديدًا أصبحت بطلة هذه الأسطورة، إذ أسّست مع زوجها ديرًا بندكتيًا، وقدّمت له كنوزًا صنعتها من مجوهراتها الذهبية والفضية التي أذابتها بنفسها، وعند وفاتها أهدت الرهبان جوهرة ثمينة وسلسلة ذهبية لتزيين تمثال السيدة العذراء.
كيف تولد الأساطير التاريخية؟
تنتشر بعض القصص التاريخية إلى حدّ تبدو معه حقائق لا تقبل النقاش، لكنّ كثيرًا منها وُلد من مزيج من المصالح السياسية، والتبسيط المدرسي، والخيال الشعبي.
ومع الزمن، تحلّ الرواية المنتقاة مكان الوقائع المعقّدة، فيتكرّس تاريخ “مريح” يبرّر أدوار المنتصرين ويتجاهل أصواتًا غائبة عن السردية الرسمية.
3- لم تُحرق الساحرات في سالم
على الرغم من أنّ محاكمات السحر التي جرت في سالم (في ولاية ماساتشوستس شمال شرق الولايات المتحدة) عام 1692 كانت حقيقية ومأساوية، فإنّ الاعتقاد بأنّ المتهمين أُحرِقوا على المشانق لا أساس له من الصحة، بحسب موقع “هيستوري دوت كوم”.
فالوثائق المتوافرة لا تشير إلى أي حالة حُرِق فيها شخص بتهمة السحر في تلك الحقبة. ومن بين نحو 200 شخص وُجّهت إليهم الاتهامات خلال موجة الذعر تلك، أُدين 19 شخصًا وتم إعدامهم شنقًا، انسجامًا مع الممارسات القضائية السائدة في إنكلترا آنذاك.
أما صورة “حرق الساحرات” بالنار، فتعود إلى وقائع أخرى ارتُكبت في أوروبا الغربية بين القرنين الخامس عشر والثامن عشر. ومع مرور الزمن، ترسّخت هذه الصورة في الذاكرة الجمعية، وارتبطت ذهنيًا بمحاكمات سالم، رغم عدم تطابقها مع الواقع التاريخي هناك.
لم تُحرق الساحرات في سالم – غيتي
4- تشارلز ليندبرغ لم يكن أول من عبر المحيط الأطلسي جوًا
غالبًا ما يُقدَّم تشارلز ليندبرغ بوصفه أول من عبر المحيط الأطلسي جوًا دون توقف، لكنّه في الحقيقة كان الشخص رقم 67 الذي ينجز هذه الرحلة، وفق موقع “سبيس دوت كوم”. ومع ذلك، يُنسب إليه أنّه أول من أتمّ العبور بمفرده، إذ بقي في الجو 33.5 ساعة متواصلة، من مطار روزفلت في الولايات المتحدة إلى باريس في فرنسا، في مايو/ أيار عام 1927.
لكن قبل ذلك بثماني سنوات، كان الكابتن جون ألكوك والملازم آرثر ويتن براون قد نفّذا رحلة جوية عبر الأطلسي استغرقت 16 ساعة، انطلقت من سانت جونز في نيوفاوندلاند بكندا، وانتهت بهبوط صعب في مستنقعات قرب كليفدن في مقاطعة غالواي في أيرلندا، وسط ظروف جوية قاسية وخطيرة، في يونيو/ حزيران عام 1919.
في تلك الرحلة، استعجلا الإقلاع وكادا يصطدمان بالأشجار القريبة من المدرّج، كما واجها تعطّلًا في جهاز الراديو، فضلًا عن ضباب كثيف وسحب أعاقت الملاحة الجوية.
لم يكن تشارلز ليندبرغ أول من طار عبر المحيط الأطلسي دون توقف – غيتي
وللوصول إلى طبقات جوية أكثر صفاءً، اضطُرّا إلى التحليق في درجات حرارة متجمّدة، واضطرّا إلى إزالة الثلج والجليد المتراكم على أجهزة الاستشعار خارج قمرة القيادة مرارًا.
وبعد ساعات طويلة من محاولات البقاء يقظين، تعرّضت الطائرة لأعطال متتالية؛ انفجر أنبوب العادم وتوقّف المولّد الكهربائي. عندها قرّرا أنّ خيارهما الوحيد هو الهبوط إلى ارتفاعات أدنى حتى تذوب طبقات الجليد المتراكمة على الطائرة. وقد نجحت الفكرة، إذ ظهرت أيرلندا تحتهم، لكن الهبوط ألحق أضرارًا بالطائرة، بعدما تبيّن أنّ الأرض التي ظنّاها حقلًا مناسبًا للهبوط لم تكن سوى مستنقع.
من حريق تيتانيك الخفي إلى الخرافات المحيطة بعيد الشكر، يكشف تفكيك الأساطير الشهيرة هشاشة ما نعتبره “حقائق ثابتة” من روايات منتقاة تراكمت عبر الزمن.
أمّا الأشخاص الـ64 الآخرين الذين عبروا المحيط الأطلسي قبل ليندبرغ، فكانوا ركّابًا على متن منطادين كبيرين؛ أحدهما حمل 31 شخصًا من اسكتلندا إلى الولايات المتحدة عام 1919، والآخر أقلّ 33 شخصًا من ألمانيا إلى نيوجيرسي عام 1924.
5- بث “حرب العوالم” لم يُسبب حالة من الذعر
في هذه الحكاية، نجد أنفسنا أمام خداع مزدوج: نشرة إخبارية وهمية، وذعر جماعي “وهمي” روّجت له الصحف.
ففي إطار مسعاها لتشويه سمعة الراديو، بوصفه وسيلة إعلامية جديدة تنافسها في ذلك الوقت، بالغت الصحف في تصوير ردّ الفعل المزعوم على بثّ أورسون ويلز الشهير في ليلة الهالوين عام 1938 لمسرحية “حرب العوالم”.
وتقول الرواية الشعبية إنّ الغزو الفضائي الخيالي، الذي قُدِّم في صيغة نشرات إخبارية مُلفّقة، بدا واقعيًا إلى حدّ دفع الناس إلى حالة من الذعر الجماعي في الولايات المتحدة، قادت إلى صدمات نفسية وانتحارات وأعمال عنف ووفاة. غير أنّ ما حدث فعلًا كان بعيدًا عن هذه الصورة الدرامية.
فوفقًا لمسح هاتفي أُجري في الليلة نفسها، لم يسمع البثّ سوى 2% من المشاركين في الاستطلاع، ولم يُبلّغ أيّ منهم عن شعور بالذعر. لكن عندما شرعت الصحف في اليوم التالي في نشر قصص عن “الذعر الكبير” الذي تسبّبت به المسرحية الإذاعية، راحت هذه الرواية تتضخّم بمرور السنوات، وراح عدد متزايد من الأشخاص يدّعون أنّهم استمعوا إلى البثّ وصدّقوا فحواه.
لماذا فعلت الصحف ذلك؟ السبب الرئيس كان أنّ ازدهار الراديو بدأ ينعكس سلبًا على عائدات الصحف الورقية. وقد روى محرّر في صحيفة “نيويورك ديلي نيوز” أنّه لم يلحظ أيّ حالة ذعر عند انتهاء العرض، لكنه نشر رغم ذلك قصة “الهلع الجماعي”. والمفارقة أنّ محاولة تصوير الراديو كوسيلة غير موثوقة جعلت الصحف تبدو هي نفسها مضلِّلة، وتحولت إلى مثال تحذيري على قوة الإعلام في صناعة الروايات.
راوي “حرب العوالم” يجيب على أسئلة الصحفيين في مؤتمر صحفي – موقع “أطلس العالم”
6- لا أحد قفز من النوافذ عند انهيار سوق الأسهم
من القصص التي جرى تضخيمها أيضًا، ما يُروى عن ردّ الفعل على انهيار سوق الأسهم في “وول ستريت” عام 1929.
فعلى الرغم من أنّ ذلك اليوم كان مأساويًا بالفعل وخلّف آثارًا عميقة على الولايات المتحدة والعالم، فإنّ الحكاية المكرّرة عن سماسرة هرعوا إلى فتح النوافذ والقفز منها فور انهيار السوق، لا تستند إلى وقائع موثّقة. في الواقع، يؤكد الطبيب الشرعي في مدينة نيويورك أنّ معدّل الانتحار في تلك السنة كان أدنى من العام السابق.
فمن أين جاءت هذه الصورة الراسخة؟ كان ونستون تشرشل صاحب دور غير مباشر في تكريسها؛ إذ شهد خلال وجوده في الولايات المتحدة آنذاك سقوط شخص من الطابق السادس عشر في الفندق الذي كان ينزل فيه، فظنّ أنّ الحادث مرتبط بانهيار السوق، بينما كان الأمر في الحقيقة حادثًا عرضيًا تعرّض له سائح، وليس فعلًا متعمّدًا.
أكد الطبيب الشرعي أن معدل الانتحار كان أقل من العام السابق – غيتي
وإضافة إلى ذلك، وقع الحادث في وقت مبكر من اليوم، قبل أن تبدأ الانعكاسات الفعلية لانهيار السوق. وقد ساهمت في تعميق الصورة الساخرة والمضلِّلة، نكتة شهيرة انتشرت على نطاق واسع، قال فيها ويل روجرز:
“عندما انهارت وول ستريت، كان عليك أن تقف في طابور لتحصل على نافذة تقفز منها”.
7- كولومبوس لم يكتشف أميركا
في كلّ خريف، ومع حلول يوم كولومبوس في الولايات المتحدة، يتجدّد الجدل حول حقيقة شخصية كريستوفر كولومبوس وما الذي فعله فعليًا. وتمثّل هذه المناسبة فرصة لتكرار حقيقة أنّ كولومبوس لم يكتشف أميركا، وفق موقع “تايمز ناو”.
فهو لم يرَ حتى القارة التي نعرفها اليوم باسم أميركا الشمالية، بل وصل إلى جزر الكاريبي خلال محاولته إيجاد طريق إلى الصين انطلاقًا من أوروبا. وبطبيعة الحال، حتى لو بلغ القارة نفسها، فإنّ سكّان نصف الكرة الغربي كانوا يعيشون هناك منذ آلاف السنين قبل وصوله.
كولومبوس لم يكتشف أميركا – موقع “أطلس العالم”
ولمزيد من المفارقات، فإنّ أسماء السفن الثلاث التي يحفظها كثيرون منذ مقاعد الدراسة ليست دقيقة؛ فـ”نيّنا” لم يكن سوى لقب لسفينة اسمها الحقيقي “سانتا كلارا”، أمّا “بينتا” فهو لقب عام مأخوذ من الإسبانية ويعني “عاهرة”.
8- عيد الشكر الأول لم يكن وديًا
بعد يوم كولومبوس، يستعدّ كثير من الأميركيين للاحتفال بعيد الشكر، وهو عطلة رئيسية مخصّصة لاجتماع العائلة والأصدقاء حول مائدة مشتركة. غير أنّ القصة “اللطيفة” التي تُروى عادة عن عيد الشكر الأول في بليموث بولاية ماساتشوستس، ليست إلا إعادة كتابة لتاريخ عملية استعمارية عنيفة ومضطربة.
فعندما وصل الحجاج إلى بليموث عام 1620، كان سكّان المنطقة الأصليون، ومعظمهم من قبيلة وامبانواغ، قد عانوا أصلًا قرنًا كاملًا من العلاقات السلبية مع الأوروبيين، شملت غارات للعبيد وأوبئة مدمّرة. وكانت الهدنة التي عُقدت آنذاك قصيرة الأجل، ومثّلت بداية لخمسين عامًا من الاستغلال وسوء المعاملة على أيدي المستعمرين، إلى جانب استمرار انتشار الأمراض، قبل أن تنتهي بحرب مدمّرة.
أمّا الرواية كما تُقدَّم اليوم، فقد بدأت تتشكّل في أواخر القرن الثامن عشر، على أيدي أحفاد الحجاج الذين سعوا إلى تكريس أنفسهم مؤسِّسين لأميركا وتبرير الاستيلاء على أراضي السكان الأصليين. ومع مرور الزمن، ازدادت هذه الرواية رسوخًا، إلى أن أُعلن يوم عيد الشكر رسميًا عام 1863 بقرار من الرئيس أبراهام لينكولن، في محاولة لتعزيز وحدة البلاد خلال الحرب الأهلية.
مع تنوّع القصص التي ترسّخت في الذاكرة الجمعية، يتبيّن أنّ الكثير مما نعتقده تاريخًا مؤكّدًا ليس سوى نتاج روايات منتقاة أو أساطير نمت مع الزمن. فالتاريخ، حين يُروى من زاوية واحدة، يفقد دقّته ويتحوّل إلى سردية جاهزة تُعيد تشكيل الماضي وفق حاجات الحاضر. ومن إعادة النظر في هذه الحكايات، تتّضح أهمية العودة إلى المصادر الموثوقة، وفهم أنّ ما يصل إلينا ليس دائمًا ما حدث فعلًا، بل ما أراد البعض له أن يُروى.


