دخلت المشهد السياسي الإسرائيلي مرحلة بالغة التعقيد عقب تكليف غادي أيزنكوت بتشكيل الحكومة الجديدة، في أعقاب خسارة بنيامين نتنياهو أغلبيته البرلمانية. وتضع هذه التطورات أيزنكوت أمام معركة شاقة لتجميع 61 مقعدًا على الأقل داخل الكنيست المؤلّف من 120 عضوًا، وسط تناقضات حادة بين شركاء محتملين ومعضلات سياسية وأمنية متشابكة.
وكلف الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ أيزنكوت بتشكيل الحكومة ومنحه مهلة أربعة وعشرين يومًا قابلة للتمديد أسبوعين إضافيين. وتشير الخريطة البرلمانية الناتجة عن الانتخابات إلى حصول معسكر نتنياهو على 53 مقعدًا، مقابل 48 مقعدًا للأحزاب الصهيونية المعارضة، بينما نالت الأحزاب العربية 19 مقعدًا لتغدو بيضة القبان في معادلة الحكم. وعند احتساب توصيات الكتل، يدعم تكليف أيزنكوت نحو 67 نائبًا، غير أن هذا الرقم النظري لا يضمن قيام ائتلاف متماسك.
وتبرز الأحزاب العربية كأحد أكثر الملفات حساسية؛ إذ تتباين المواقف داخل المعسكر المعارض حيال الاستعانة بأصواتها لتجاوز عتبة الأغلبية، بين قوى ترفض الاعتماد عليها وأخرى تبدي انفتاحًا للتعامل معها، يتقدمها يائير غولان رئيس حزب الديمقراطيين. وفي الأثناء، شهدت تل أبيب احتجاجات شعبية تطالب بإشراك النواب العرب في الائتلاف المرتقب للاستفادة من الأغلبية البرلمانية المتاحة.

على الجانب الآخر، تصطدم مساعي أيزنكوت بعقدة الأحزاب الحريدية التي تتمسك بإعفاء طلاب المعاهد الدينية من الخدمة العسكرية الإلزامية. ويشترط أيزنكوت التزام شركائه بمبدأ الخدمة العسكرية للجميع، وهو ما يتعارض مع أجندة كتل مثل شاس ويهدوت هتوراه. ومع محاولة أطراف في المعارضة كسب بعض الأصوات الحريدية كبديل عن الدعم العربي، يبدي غولان وأفيغدور ليبرمان مرونة مشروطة بتجنيد الشباب الحريدي ودمجهم سوق العمل واحترام طابع الحياة العلماني، الأمر الذي يتطلب تنازلات سياسية معقدة.
ولا يزال بنيامين نتنياهو يسعى للبقاء في المشهد عبر الدعوة إلى تشكيل حكومة وحدة تضم أحزاب ائتلافه الحالي وقواه اليمينية المتشددة، محذرًا من حكومة مدعومة عربيًا. في المقابل، رفض حزب يشار بقيادة أيزنكوت هذه الصيغة، داعيًا حزب الليكود للتخلي عن تحالفاته المتشددة والانضمام إلى الحكومة الجديدة.
ولا تقتصر التعقيدات على الداخل، إذ تتقاطع مع الحسابات الأميركية في ظل علاقة دونالد ترامب الوثيقة بننتياهو ورغبته في وجود شريك إسرائيلي فاعل بالمنطقة. ومع أن ترامب أبدى سابقًا استعدادًا لدعم حكومة برئاسة نتنياهو، فإن تكليف أيزنكوت أوجد واقعًا جديدًا. وتشير تقارير إلى ضغوط مورست من مقربين لترامب للإسراع في تشكيل حكومة بديلة، بينما لم تحسم الإدارة الأميركية موقفها النهائي بعد.
وتكتسب هذه الحكومة المرتقبة أهمية خاصة لواشنطن وتل أبيب في ظل ملفات إقليمية كبرى كسياستها تجاه إيران ومستقبل قطاع غزة والضفة الغربية. ووسط سيناريوهات الائتلاف المتعددة بين الاعتماد على الدعم العربي، أو استقطاب الحريديم، أو حكومة وحدة ترفضها قيادة أيزنكوت، تبقى القدرة على بناء استقرار حقيقي التحدي الأكبر أمام رئيس الحكومة المكلف.
