دليل مرجعي إلى مؤتمر المناخ “كوب 30”.. لماذا يُعدّ محطة مفصلية؟

يُعَدّ مؤتمر المناخ “كوب 30″، الذي عقد في مدينة بيليم البرازيلية بين 10 و21 نوفمبر/ تشرين الثاني، محطة مفصلية في مسار مفاوضات المناخ العالمية. فهو يجمع ممثلي أكثر من 190 دولة في لحظة حاسمة من تاريخ السياسة المناخية، وسط تصاعد الكوارث المناخية المرتبطة بالاحترار العالمي، وتراجع فعلي في الالتزامات الدولية، وتنامي الفجوة بين ما يقوله العلم وما تسمح به حسابات السياسة والاقتصاد.
في هذا السياق، تعوّل الدول النامية على أن يمثّل “كوب 30” نقطة تقدم حقيقية في ملفات التمويل، والخسائر والأضرار، والتحول العادل بعيدًا عن الوقود الأحفوري، وألا يتحوّل إلى مجرد حلقة جديدة في سلسلة المؤتمرات التي تُكَرِّس الاعتراف بالأزمة أكثر مما تُنتج حلولًا لها.
منذ أن مُنحت البرازيل شرف استضافة هذه النسخة من مؤتمر الأطراف قبل سنوات، رُوِّج لـ”كوب الأمازون”، كما سُمّي، على أنه مؤتمر يحمل رمزية خاصة، فهو يُعقد في البلد الذي استضاف أول “قمة أرض” من أجل البيئة في ريو دي جانيرو، وفي منطقة تُعَدّ غابة الأمازون المطيرة فيها رمزًا للكوكب كله.
لكن مع اقترابه، تزاوجت هذه الآمال مع مخاوف من تكرار خيبات الأمل التي عرفتها قمم المناخ السابقة، ومن تحوّل المفاوضات إلى تجمع ضخم لجماعات الضغط والمسؤولين، بينما تُهمَّش المطالب المناخية الأكثر إلحاحًا.
ما هو مؤتمر “كوب 30″؟
يندرج “كوب 30” ضمن سلسلة مؤتمرات الأطراف (COP) التابعة لاتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ، وهي المعاهدة التي وُقِّعت في ريو دي جانيرو عام 1992، وألزمت المجتمع الدولي مبدئيًا بـ”تجنب تغير المناخ الخطير”، من دون أن تحدد آنذاك آليات تفصيلية صارمة لتحقيق هذا الهدف.
انعقد أول مؤتمر للأطراف الموقعة على هذه الاتفاقية في برلين عام 1995، ومنذ ذلك الحين تجتمع الدول الأعضاء سنويًا تقريبًا للتفاوض على سُبُل تنفيذ الالتزامات المناخية، وتحديث خطط خفض الانبعاثات، وتقييم الفجوة بين ما هو مطلوب علميًا وما يجري فعليًا.
أما نقطة التحول فتمثل في مؤتمر الأطراف الحادي والعشرون (كوب 21) في باريس عام 2015، بعدما أقرّت الدول “اتفاقية باريس للمناخ” وتعهدت بموجبها بحصر ارتفاع حرارة الأرض في أقل من درجتين مئويتين فوق مستويات ما قبل الثورة الصناعية، مع السعي إلى عدم تجاوز 1.5 درجة مئوية. لكن مسار ما بعد باريس أثبت أن تحويل هذه التعهدات إلى مسار فعلي ما زال مهمة شديدة التعقيد.
بيليم.. “بوابة الأمازون” ورمز المخاطر الوجودية
عاد مؤتمر الأطراف في نسخته الثلاثين إلى البرازيل، ولكن للمرة الأولى إلى مدينة بيليم الواقعة عند مصب نهر الأمازون، والملقّبة بـ”بوابة الأمازون”. اختيار هذه المدينة يحمل رسالة رمزية واضحة: وضع غابة الأمازون المطيرة، بوصفها واحدة من أهم “رئات” الكوكب، في قلب النقاش المناخي العالمي.
تُعتبر الأمازون من أكبر مخازن الكربون الطبيعية على الأرض، وأي انهيار في نظامها البيئي قد يُطلق كميات هائلة من غازات الدفيئة، ويحوّلها من “حاجز” في وجه الاحترار إلى “مسرّع” له. لذلك أرادت البرازيل أن تربط بين مستقبل هذه الغابة وبين مصير النظام المناخي العالمي، وأن تجعل من “كوب 30” محطة للحديث عن العدالة المناخية، ليس فقط بين الشمال والجنوب، بل أيضًا بين البشر والنظم البيئية التي يتوقف عليها استقرار المناخ.
في بيليم، لا تدور المفاوضات فقط حول الأرقام والجداول الزمنية، بل حول سؤال أبسط وأقسى: من سيدفع ثمن الانهيار المناخي، ومن يملك ترف تأجيل القرار؟
أعدّت الرئاسة البرازيلية للمؤتمر جدول أعمال حافلًا يضم نحو 145 بندًا، وسبقت القمة بحدث تمهيدي هو “قمة بيليم للمناخ”، دُعي إليه عدد من قادة العالم على مدى يومين، في محاولة لتهيئة أجواء تفاوض أكثر مرونة، وتشجيع الوفود على التخلي عن مواقفها المتصلبة واعتماد خطوات جريئة خلال “كوب 30” نفسه.
وترافقت هذه التحضيرات مع تدفق عشرات الآلاف من الدبلوماسيين والناشطين والصحفيين وممثلي جماعات الضغط إلى المدينة الاستوائية الحارّة، ما خلق ضغطًا لوجستيًا على مدينة لا تضم عادة سوى نحو 18 ألف غرفة فندقية، واضطرت إلى استقبال ما يقارب 50 ألف زائر، وهو ما أثار انتقادات من وفود رأت أن ضيق البنية التحتية وارتفاع الأسعار يحدّان من مشاركتها الفعلية في المفاوضات.
احتجاجات في الشارع وضغوط داخل القاعات
كما في قمم المناخ السابقة، لم تقتصر الحركة في بيليم على قاعات الاجتماعات المغلقة، بل امتدت إلى الشوارع والساحات.
فقد شارك آلاف المحتجين من أجل المناخ في مسيرات سلمية صاخبة، طالبوا خلالها بمزيد من الإجراءات الحاسمة لحماية الكوكب، وندّدوا بما يرونه “تواطؤًا” بين الحكومات والقطاعات المعتمدة على الوقود الأحفوري.
رفع المحتجون لافتات تدعو إلى العدالة المناخية، وشارك في المسيرات سكان أصليون ومجموعات شبابية ومنظمات من المجتمع المدني.
خرجت احتجاجات بالتزامن مع انعقاد أعمال قمة المناخ في البرازيل- غيتي
في بعض المحطات، حاول ناشطون وسكان أصليون دخول مكان انعقاد المؤتمر بالقوة، ما أدى إلى احتكاكات مع قوات الأمن، كما نُظِّمَت اعتصامات سلمية أسفرت عن إغلاق مؤقت لبعض المداخل.
هذه المشاهد باتت جزءًا من “المشهد التقليدي” لمؤتمرات الأطراف، لكنها في حالة بيليم حملت دلالة مضاعفة، لأن كثيرًا من المشاركين ينتمون إلى مجتمعات تقف في الخطوط الأمامية لمواجهة آثار تغير المناخ، سواء من حيث الفيضانات أو الجفاف أو تدمير الغابات.
اتهامات بـ”النفاق” للدولة المضيفة
تُناط بالرئاسة البرازيلية مهمة رسم مسار واضح من “كوب 30” إلى خفض الانبعاثات بما يتوافق مع عالم لا يتجاوز الاحترار فيه 1.5 درجة مئوية. لكن هذه المهمة اصطدمت بانتقادات واسعة على خلفية موافقة البرازيل على مشاريع للتنقيب عن النفط قرب مصب نهر الأمازون، على بُعد مئات الكيلومترات فقط من بيليم.
وقد رأت منظمات بيئية أن هذا السلوك يجسد نوعًا من “النفاق” المناخي: دولة تستضيف قمة يُفترض أن تدفع باتجاه التخلص التدريجي من الوقود الأحفوري، وفي الوقت نفسه تفتح مناطق جديدة للاستكشاف النفطي. أما الرئيس لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، فدافع عن سياسة بلاده، مؤكدًا أنها تحاول التوفيق بين حماية الأمازون، وحاجات التنمية الاقتصادية، والحق في استغلال الموارد الطبيعية ضمن حدود الاستدامة.
“المساهمات المحددة وطنيًا”.. قلب اتفاقية باريس المناخية
احتلّ ملف “المساهمات المحددة وطنيًا” (NDCs) موقعًا مركزيًا في أجندة “كوب 30”. فهذه المساهمات هي خطط وطنية تضعها كل دولة لخفض انبعاثات غازات الدفيئة وزيادة القدرة على التكيّف، وتُراجع عادة كل خمس سنوات بموجب اتفاقية باريس.
شهدت المسارات السابقة جولات من تقديم هذه المساهمات، أبرزها في باريس ثم في “كوب 26” في غلاسكو عام 2021. لكن تقييمات الأمم المتحدة أشارت مرارًا إلى أن الأهداف التي أعلنتها الدول، خصوصًا تلك المرتبطة بأعوام 2025 و2030 و2035، بعيدة عن المسار المطلوب علميًا، إذ تسمح بارتفاع درجات الحرارة بما يتجاوز 2.5 أو حتى 2.8 درجة مئوية، إذا جرى تنفيذها بالشكل المعلن فقط.
تقرير أممي يرسم مستقبلًا قاتما للغابات في نصف الكرة الأرضية الشمالي – التلفزيون العربي
في الإطار المرجعي لـ”كوب 30″، يُنظر إلى هذه المساهمات على أنها “اختبار مصداقية”: إلى أي مدى ستقترب الخطط الوطنية الجديدة من تخفيضات تُقارب 60% بحلول 2035، وهي النسبة التي يؤكد العلماء أنها ضرورية للحفاظ على فرصة معقولة للبقاء ضمن نطاق 1.5 درجة مئوية؟
كما يرتبط هذا الملف مباشرة بقدرة الدول النامية على الوصول إلى التمويل والتكنولوجيا، إذ يصعب الحديث عن رفع سقف الطموح في البلدان الفقيرة من دون حلول لمسألة “من يدفع الفاتورة؟”.
من “مؤتمر التمويل” في باكو إلى “خارطة الطريق” في بيليم
يُشار عادة إلى مؤتمر “كوب 29” في باكو، أذربيجان، بوصفه محطة محورية في ملف التمويل المناخي. هناك، ناقشت الدول لأول مرة بصورة منظمة حجم المساعدة التي ينبغي أن تقدمها الدول الغنية لتلك الفقيرة، في تجاوز نظري للهدف القديم البالغ 100 مليار دولار سنويًا، الذي أُقرّ في كوبنهاغن عام 2009 ولم يتحقق بالشكل المطلوب.
خرجت قمة باكو بهدف شامل يتمثل في تدفقات مالية نحو العالم النامي قدرها 1.3 تريليون دولار سنويًا بحلول 2035، من مصادر عامة وخاصة متنوعة، مع تعهد من الدول المتقدمة بتقديم 300 مليار دولار بشكل مباشر. لكن الانقسامات الحادة والمشاحنات التي رافقت النقاشات تركت أثرًا سلبيًا، اعتبره كثيرون دليلاً على الهوة المتزايدة بين الشمال والجنوب.
من صندوق الخسائر والأضرار إلى “خارطة الطريق من باكو إلى بيليم”، يبقى السؤال نفسه معلّقًا: هل التمويل الموعود يناسب حجم الكارثة أم حجم استعداد الدول للدفع؟
في محاولة لتجاوز هذه المرارة، أعدّت رئاسة “كوب 29” بالتعاون مع البرازيل “خارطة طريق من باكو إلى بيليم”، وهي تقرير يضم أكثر من 50 توصية غير ملزمة حول كيفية تعبئة 1.3 تريليون دولار سنويًا. تتراوح المقترحات بين فرض ضرائب ورسوم على كبار منتجي النفط والغاز، وتوسيع أدوات التمويل المبتكرة، وفرض رسوم على بعض أنماط السفر عالي الانبعاثات والنقل البحري والجوي.
في “كوب 30″، لا يُنظر إلى هذه الخارطة بوصفها اتفاقًا نهائيًا، بل أساسًا لمفاوضات شاقة حول من يدفع، وكيف، ولمن.
الخسائر والأضرار.. من الاعتراف إلى الأدوات العملية
أحد أبرز التطورات في مسار المفاوضات المناخية في السنوات الأخيرة هو الاعتراف بمفهوم “الخسائر والأضرار” بوصفه ركيزة ثالثة إلى جانب التخفيف (خفض الانبعاثات) والتكيّف (الاستعداد للآثار).
في هذا الإطار، أنشئ “صندوق الاستجابة للخسائر والأضرار” لمساعدة الدول الأكثر هشاشة على التعامل مع الآثار التي لا يمكن تجنبها أو التكيّف معها بسهولة، مثل تدمير البنى التحتية بفعل الأعاصير القوية أو اختفاء الأراضي بسبب ارتفاع مستوى البحار.
في سياق “كوب 30″، يُنظَر إلى الصندوق كاختبار لإرادة الدول الغنية. فقد جرى الحديث عن إطلاق أول دعوة لتمويل مشاريع بقيمة 250 مليون دولار، مع إمكان تقديم الدول النامية طلبات للحصول على تمويل يتراوح بين 5 و20 مليون دولار، مع دعم فني من “شبكة سانتياغو” لتحسين جودة المشاريع. لكن هذه الأرقام تُعد متواضعة مقارنة بتقديرات تشير إلى أن الاحتياجات السنوية للخسائر والأضرار قد تصل إلى نحو 724 مليار دولار، ما يسلّط الضوء على الفجوة الهائلة بين حجم الأزمة وحجم التمويل المتوفر فعليًا.
إلى جانب ذلك، يكتسب النقاش حول “آلية وارسو”، أي الإطار الأممي الذي أُقرّ عام 2013 للتعامل مع الخسائر والأضرار، أهمية متجددة في “كوب 30″، مع سعي وفود عدة لربطها بشكل أوضح بالخطط الوطنية للمناخ، وإدخال أبعاد قانونية جديدة، مثل الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية الذي قد يحمّل الدول مسؤوليات قانونية بشأن تمويل الخسائر والأضرار واحترام حقوق الإنسان في سياق الأزمة المناخية.
الوقود الأحفوري.. جوهر الأزمة ومصدر الانقسام
الوقود الأحفوري، نفطًا وغازًا وفحمًا، هو المحرّك الأساسي لأزمة المناخ العالمية. ومع ذلك، استغرق الأمر أكثر من ربع قرن منذ انطلاق مؤتمرات الأطراف حتى يُدرج للمرة الأولى بند واضح حول “الانتقال عن الوقود الأحفوري” في مخرجات مؤتمر “كوب 28” في دبي عام 2023.
نص القرار يومها على “الانتقال بعيدًا عن الوقود الأحفوري” بدل الحديث عن “التخلص التدريجي”، وترك الباب مفتوحًا أمام تأويلات عديدة بشأن الجدول الزمني، ودور تقنيات مثل احتجاز الكربون، والتمييز بين أنواع الوقود. بعد المؤتمر، حاولت بعض الدول المنتجة للنفط والغاز التقليل من أهمية القرار، واعتبرته غير ملزم أو قابلًا للتطبيق بطرق متفاوتة.
في “كوب 30″، يعود هذا الملف إلى الواجهة كأحد أكثر الملفات حساسية، إذ تتخوف دول نامية تمتلك احتياطات كبيرة من المحروقات من أن يُفرض عليها التخلي عن مصدر دخل رئيسي من دون تعويضات عادلة أو بدائل اقتصادية واضحة، بينما يحذر خبراء من أن أي تأجيل جديد في وضع خطة عملية للخروج من حقبة الوقود الأحفوري سيجعل أهداف 1.5 أو حتى درجتين مئويتين بعيدة المنال.
تحاول الرئاسة البرازيلية التعامل مع هذا الملف بحذر، في ظل اعتراضات من دول نفطية ومخاوف من تفجير المفاوضات. في المقابل، يخشى المدافعون عن المناخ من أن تبقى عبارة “الانتقال بعيدًا عن الوقود الأحفوري” مجرد شعار ما لم تُقرن بخطط زمنية واضحة، وآليات تمويل قوية، ودعم خاص للدول الفقيرة التي تحتاج إلى “تحول عادل” يحمي مجتمعاتها من صدمات اقتصادية واجتماعية.
تقرير من الأرشيف – دول عربية عدّة تتجه نحو الطاقة المتجددة بعيدا عن الوقود الأحفوري
الميثان والوقود الحيوي.. مسارات سريعة ومزالق محتملة
إلى جانب ثاني أكسيد الكربون، يحظى غاز الميثان باهتمام متزايد في المفاوضات المناخية، نظرًا لقوته الكبيرة في حبس الحرارة. تشير التقديرات إلى أن نحو ثلث الاحترار العالمي في العقود الأخيرة يرجع إلى ارتفاع مستويات الميثان، وأن كل جزيء منه يمتلك قدرة على الاحترار تفوق قدرة ثاني أكسيد الكربون بنحو 80 ضعفًا على المدى القصير.
هذا يجعل خفض انبعاثات الميثان بمثابة “كابح طوارئ” محتمل لدرجات الحرارة، يمكن أن يمنح العالم وقتًا إضافيًا بينما تجري إعادة هيكلة منظومة الطاقة. ويمكن تحقيق جزء كبير من هذا الخفض عبر وقف تنفيس أو إحراق غاز الميثان في منشآت النفط والغاز، وإصلاح التسربات من الآبار وخطوط الأنابيب ومناجم الفحم، وتحسين إدارة مكبات النفايات.
لكن عددًا محدودًا من الدول يطبق حتى الآن قواعد صارمة في هذا المجال، فيما تتردد دول أخرى بسبب كلفة الإجراءات أو تعقيدات الرقابة، أو بسبب حساسية القطاعات الزراعية، كما في حالة البرازيل، حيث يمتلك قطاع تربية الماشية فيها وزنًا اقتصاديًا واجتماعيًا كبيرًا.
بعد ثلاثة عقود من المفاوضات، لم يعد السؤال هل تغيّر المناخ أم لا، بل هل تستطيع الدبلوماسية أن تواكب سرعة هذا التغيّر قبل الوصول إلى نقاط اللاعودة
في موازاة ذلك، يبرز الوقود الحيوي بوصفه أحد الحلول التي تطرحها البرازيل بقوة، مستندة إلى خبرتها الطويلة في إنتاج الإيثانول من قصب السكر. يُقدَّم الوقود الحيوي على أنه بديل “أنظف” من الوقود الأحفوري، لكن خبراء ومنظمات بيئية يحذرون من أن التوسع غير المضبوط فيه قد يقود إلى استبدال الغابات أو الأراضي الزراعية بإنتاج المحاصيل المخصصة للطاقة، ويزيد الضغط على الموارد المائية، ويستهلك كميات كبيرة من الأسمدة الكيماوية، بحيث لا يحقق في كثير من الحالات وفورات حقيقية في انبعاثات الكربون مقارنة بالوقود الأحفوري.
لهذا، يُعتبر النقاش حول الميثان والوقود الحيوي في “كوب 30” جزءًا من جدل أوسع حول “الحلول السريعة” التي قد تُخفف الأعراض من دون معالجة جذور الأزمة إذا لم تُصمَّم بعناية.
الولايات المتحدة والاختبار السياسي للمناخ
تلعب الولايات المتحدة دورًا مركزيًا في دبلوماسية المناخ، ليس فقط بوصفها ثاني أكبر مصدر لانبعاثات ثاني أكسيد الكربون تاريخيًا بعد الصين، بل أيضًا باعتبارها قوة سياسية واقتصادية قادرة على ترجيح كفة المفاوضات.
في المشهد المرتبط بـ”كوب 30″، تتداخل العوامل الداخلية الأميركية مع المسار الدولي. فقد شهدت الولايات المتحدة موجات متعاقبة من السياسات المتناقضة: انسحاب من اتفاقية باريس ثم عودة إليها، طفرة في الطاقة المتجددة يقابلها توسع في تصدير الغاز والنفط، وخطاب سياسي منقسم بين من يعتبر تغير المناخ “أكبر عملية احتيال” ومن يدعو إلى “ثورة خضراء”.
حتى عندما تغيب الإدارة الأميركية رسميًا أو تخفِّف من مستوى تمثيلها في مؤتمرات الأطراف، لا يغيب الحضور الأميركي بالكامل؛ إذ تلعب الولايات والبلديات، إلى جانب منظمات أهلية وشركات، دورًا متزايدًا في دفع أجندة المناخ، سواء عبر تعهدات محلية لخفض الانبعاثات أو عبر تحالفات مثل “التحالف الأميركي للمناخ”.
لكن هذا الحضور المتشظي يطرح سؤالًا عن مدى استقرار الالتزامات الأميركية على المدى الطويل، وتأثّرها بتقلبات الانتخابات وميزان القوى الداخلي، وهو سؤال ينعكس على ثقة بقية الدول بوعود واشنطن، وبالتالي على إمكانية بناء اتفاقات دولية طموحة تعتمد على دور أميركي ثابت.
“فعالية التعددية”.. هل يمكن لمؤتمرات الأطراف أن تصمد؟
إلى جانب الملفات التقنية، يضع “كوب 30” على الطاولة سؤالًا أوسع يتعلق بمستقبل “التعددية” في النظام الدولي. فنجاح مؤتمرات الأطراف يعتمد على قدرة عشرات الدول، ذات المصالح المتعارضة، على التوصل إلى صيغ مشتركة في إطار مؤسسات أممية وقواعد متفق عليها.
في السنوات الأخيرة، تصاعدت أصوات سياسية تشكك في جدوى التعددية، وتفضّل مقاربة تقوم على الأحادية أو الصفقات الثنائية، وهو ما انعكس في مواقف بعض الدول من قضايا المناخ والتجارة والأمن. في مواجهة ذلك، تحاول الرئاسة البرازيلية أن تُظهِر “كوب 30” بوصفه دليلًا على أن التعاون متعدد الأطراف لا يزال ممكنًا، حتى لو كانت النتائج أقل من طموحات العلم والحركات الاجتماعية.
لكن الحفاظ على “صورة” التعددية لا يكفي وحده، إذ يحذر كثيرون من أن مؤتمرات الأطراف قد تتحول تدريجيًا إلى فضاءات رمزية، يُعلن فيها الجميع اعترافهم بحجم الأزمة من دون اتخاذ قرارات تتناسب معها، ما يهدد بفقدان ثقة الرأي العام العالمي، خصوصًا لدى الأجيال الشابة المتضررة مباشرة من الانهيار المناخي.
مستقبل مؤتمرات الأطراف بعد “كوب 30”
تُعتبر النسخة الثلاثون من مؤتمر الأطراف محطة لالتقاط الأنفاس وتقييم مسار ثلاثة عقود من المفاوضات المناخية. فهي تربط بين محطات أساسية: من اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية في ريو، إلى اتفاقية باريس، مرورًا بقمة باكو المالية ورمزية الأمازون في بيليم.
تتمثل الأهداف المعلنة في وضع خارطة طريق للعقد المقبل، تتضمن التزامات أوضح بشأن التمويل، والتكيف مع آثار تغير المناخ، وحماية الطبيعة، والتحول إلى الطاقة النظيفة، ومواصلة النقاش حول التخلص التدريجي من الوقود الأحفوري.
في المقابل، تُطرح تساؤلات حول مستقبل استضافة هذه القمم نفسها، مع تنافس دول مثل تركيا وأستراليا على استضافة “كوب 31″، ووجود سيناريوهات بديلة قد تعيد المؤتمر إلى مقر الاتفاقية في بون إذا تعذر التوافق. كما تُطرح أسئلة عملية حول قدرة أي دولة مضيفة على التحضير اللوجستي والسياسي لمؤتمر بهذا الحجم في غضون عام واحد.
في النهاية، يقدم “كوب 30” صورة مكثفة عن التناقضات التي تحكم ملف المناخ: علم يحذر من اقتراب “نقاط اللاعودة”، واقتصادات مرتهنة للوقود الأحفوري، وسياسات داخلية وخارجية متداخلة، ومجتمعات على الخطوط الأمامية للكوارث تطالب بالعدالة. وبين كل ذلك، يبقى السؤال مفتوحًا: هل تستطيع مؤتمرات الأطراف، بما فيها “كوب 30″، أن تتحول من منصات تعهدات إلى أدوات فعلية لكبح الانهيار المناخي، أم أنها ستظل تطارد أزمة تتسارع بوتيرة أسرع من قدرة الدبلوماسية على اللحاق بها؟


