ثقافة وفنون

رحلة عشر سنوات تنتهي بتتويج سيرة الإسكندر الأكبر

من حواجز الإطارات المشتعلة لقبضة طالبان.. رحلة 10 سنوات لإحياء سيرة الإسكندر الأكبر

تتطلب كتابة التاريخ أحيانا خوض مغامرات تمتد لسنوات طويلة وتتجاوز مجرد التنقيب في الوثائق القديمة. فقد توج المؤرخ البريطاني إدموند ريتشاردسون، أستاذ الدراسات الكلاسيكية بجامعة دورهام، بجهد استمر عقد كامل أثمر عن فوزه بجائزة بايلي جيفورد البريطانية لعام 2026 لأفضل كتاب غير روائي، عن مؤفله المعنون «Alexander: God, King, Man». وجاء هذا التتويج من خلال حصد الجائزة التي تبلغ قيمتها 50 ألف جنيه إسترليني، ليصبح ريتشاردسون أول مؤلف ينال هذه الجائزة الرفيعة عن عمل يتناول التاريخ القديم منذ تأسيسها في عام 1999، متفوقا بذلك على خمسة إصدارات أخرى وصلت إلى القائمة القصيرة.

استغرقت رحلة إعداد الكتاب أكثر من عشر سنوات، تنقل خلالها المؤلف بين مخازن المتحف البريطاني في العاصمة لندن، ومقابر مصر القديمة، وسفوح جبال الهيمالايا. ولم تقتصر منهجية العمل على المصادر التقليدية، بل استعانت بالاكتشافات الأثرية الحديثة وتقنيات التكنولوجيا والمحاكاة الحاسوبية، إلى جانب دراسة وترجمة مصادر تاريخية مدونة باثنتي عشرة لغة قديمة. وهدفت هذه الجهود المكثفة إلى الوصول للإسكندر الإنسان بعيدا عن الهالة الأسطورية التي أحاطت به عبر القرون.

غير أن الطريق نحو إنجاز الكتاب لم يكن مفروشا بالورود، بل واجه فيه الباحث مخاطر ميدانية قاسية. ففي القاهرة، وجد ريتشاردسون نفسه محاصرا بحاجز من إطارات السيارات المشتعلة وسط احتجاجات شعبية، بينما اضطر لاحقا إلى إلغاء زيارة مخطط لها إلى أفغانستان إثر تعرض الفندق الذي كان يقيم فيه للنهب من قبل حركة طالبان. ولم تتوقف الصعوبات عند حدود الميدان، إذ تلقى صدمة صحية كبرى تمثلت في تشخيصه بمرض السرطان قبل نحو ثلاث سنوات، وهي فترة عاش خلالها مخاوف جدية من عدم تمكنه من إنجاز الكتاب أو رؤيته منشورا. ورغم تلقيه العلاج وإعلانه التعافي في مرحلة لاحقة، إلا أن تداعيات الضغوط النفسية والجسدية قادته إلى المستشفى العام الماضي بعد تعرضه لانهيار بدني.

image

ويبتعد الكتاب في مقاربته عن تقديم الإسكندر مجرد قائد عسكري فذ أسس إمبراطورية مترامية الأطراف، ليغوص في شخصية شديدة التعقيد جمعت بين القسوة المفرطة والعنف من جهة، والقدرة على الحب والرحمة من جهة أخرى. ويتتبع السرد محطات حياة الإسكندر منذ اعتلاء عرش مقدونيا في عام 336 قبل الميلاد وهو في العشرين من عمره إثر اغتيال والده فيليب الثاني، مرورا بحملاته العسكرية التي اخترقت قلب الإمبراطورية الفارسية وصولا إلى وفاته المبكرة في بابل عام 323 قبل الميلاد عن عمر ناهز اثنين وثلاثين عاما.

ويرى المؤلف أن إرث الإسكندر تجاوز جغرافية إمبراطوريته ليلعب دورا محوريا في حركة انتقال العلوم والفنون والمعارف بين الحضارات المختلفة، بدءا من تبادل العلوم بين بابل اليونان، وتأثر الفنون اليونانية بمناطق نهر السند، وصولا إلى تقاطع المعرفة المصرية بالدراسات المرتبطة بالشاعر هوميروس. ويعتبر ريتشاردسون أن استدعاء سيرة الإسكندر يكتسب أهمية بالغة في العصر الحالي، لأنه يسلط الضوء على الحدود القصوى للقوة والثروة مهما بلغ جبروت أصحابه، لافتا إلى أن محاولته المحمومة لتغيير العالم انتهت بتركه في حالة من الدمار الشامل.

وفي الوقت الذي اعتاد فيه ريتشاردسون الكتابة عن شخصيات تاريخية مغمورة، فإن خوضه في سيرة الإسكندر شكل تحديا غير مألوف للبحث عن الإنسان الحقيقي خلف الأسطورة. أما عن مشروعه الأدبي المقبل، فيخطط المؤرخ البريطاني للعودة إلى مساره المعتاد بالتركيز على الشخصيات الأقل شهرة، عبر إعداد كتاب يستعرض سيرة عالم الآثار البريطاني فلندرز بيتري المرتبط بعلم المصريات، متناولا محاولته الطموحة لوضع خطة لهزيمة الموت في الصحراء المصرية عام 1888.

Wafaa Fathy

مهتمة بالتاريخ المصري والتراث والمتاحف والآثار. أتابع الاكتشافات الأثرية ومشروعات ترميم المواقع التاريخية والفعاليات التي تعرف الناس بتاريخ مصر وحضارتها.