شهدت أمانة استخبارات الدولة في الأرجنتين إقبالًا واسعًا وغير تقليدي بعد إطلاق حملة توظيف علنية تهدف إلى استقطاب جيل جديد من الكفاءات للعمل ضمن ما وصفته بـ”فيلق الاستخبارات الوطني”. وتلقت المؤسسة الأمنية أكثر من 40 ألف طلب تقدم بها مواطنون خلال أول 24 ساعة فقط من فتح باب التقديم، في خطوة تعكس تحولاً جذرياً في طريقة التعامل مع الوظائف الاستخباراتية التي كانت تعتمد لسنوات طويلة على السرية والانتقاء المحدود.
تستهدف الحملة الواسعة المواطنين الأرجنتينيين من طلاب وخريجين وحاصلين على شهادة التعليم الثانوي كحد أدنى للمؤهل الدراسي، دون اشتراط وجود خبرة سابقة في المجال الأمني. واعتمدت الأمانة في الترويج لهذه الوظائف على ملصقات إعلانية مبتكرة انتشرت في الشوارع وعبر منصات التواصل الاجتماعي، مستخدمة تصاميم بصرية وصوراً مولدة بالذكاء الاصطناعي مستوحاة من حملات التجنيد التاريخية الشهيرة، مثل الملصق الأمريكي الكلاسيكي لشخصية “العم سام”، بهدف تقديم العمل الاستخباراتي بصورة عصرية وجذابة تتماشى مع متطلبات العصر الرقمي.
ورغم بساطة الشروط الأولية من حيث المؤهل الدراسي، فإن عملية الاختيار تخضع لمعايير صارمة ومتعددة تشمل اختبارات دقيقة للقدرات المعرفية والبدنية والنفسية، إلى جانب المقابلات الشخصية والفحوص الأمنية المكثفة. ويخضع المقبولون بعد اجتياز هذه المراحل لبرامج تدريب متخصصة داخل المدرسة الوطنية للاستخبارات. ولا تقتصر المسارات الوظيفية المطروحة على مهام جمع المعلومات التقليدية أو العمل الميداني، بل تمتد لتشمل مجالات حيوية متقدمة مثل تحليل البيانات الاستراتيجية، الأمن السيبراني، التكنولوجيا الحديثة، اللغات، ومكافحة التجسس.
وفي مبررات هذه الخطوة، ربطت الحكومة الأرجنتينية توسيع القدرات الاستخباراتية بالتحولات الجيوسياسية المتسارعة واحتدام المنافسة العالمية على مصادر الطاقة والمياه والمعادن والتكنولوجيا. وأوضح المتحدث باسم الرئاسة، أدريان رافير، أن العالم يمر بمرحلة مضطربة تفرض على بلاده تعزيز حماية أمنها القومي ومصالحها الاستراتيجية، مشيراً إلى الأهمية الجيوسياسية لموقع الأرجنتين في جنوب المحيط الأطلسي ومصالحها الممتدة نحو القارة القطبية الجنوبية.
ويأتي هذا التوسع الاستخباراتي ليخلق مفارقة سياسية واقتصادية ملحوظة في ظل السياسات التقشفية الصارمة التي يتبناها الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي منذ توليه السلطة في ديسمبر 2023، والتي استهدفت تقليص الجهاز الإداري للدولة وخفض الإنفاق العام لمواجهة العجز المالي. وفي الوقت الذي شهدت فيه مؤسسات حكومية أخرى عمليات تسريح وتقليص، حصلت أمانة استخبارات الدولة على زيادة مالية ملحوظة، رفعت مخصصاتها إلى نحو 176 مليار بيزو، وهو ما يعادل قرابة 112 مليون دولار، لتتجاوز ميزانيتها بذلك عشرة أضعاف قيمتها الاسمية مقارنة بعام 2023.
