تتجه الأنظار مع انطلاق انتخابات التجديد النصفي للكونجرس الأمريكي نحو حجم التأثير الذي يمكن أن تمارسه بعض الكتل الانتخابية على نتائج السباقات المتقاربة، وفي مقدمتها العرب والمسمون الأمريكيون. وقد أصبح حضور هذه المجتمعات أكثر وضوحًا في الولايات التي تتمتع فيها بثقل سكاني وتنظيمي مؤثر، مما يضع مواقف المرشحين من قضايا الشرق الأوسط، وتطورات الحرب في غزة، والمواجهة العسكرية مع إيران، إلى جانب الأوضاع الاقتصادية والمعيشية، ضمن العوامل الحاسمة التي قد تحدد اتجاهات التصويت.
وتكتسب هذه الانتخابات أهمية خاصة باعتبارها محطة سياسية مفصلية في ولاية الرئيس دونالد ترامب الثانية، إذ ستحدد نتائجها موازين القوى داخل الكونجرس خلال العامين المتبقيين من ولايته، وما إذا كان الجمهوريون سيحافظون على أغلبيتهم في مجلسي النواب والشيوخ، أم سينجح الديمقراطيون في استعادة السيطرة على أحد المجلسين أو كليهما. ويمتلك الناخبون الأمريكيون العرب في ولاية ميشيغان، على سبيل المثال، نفوذًا سياسيًا كافيًا للتأثير في سباقات الكونجرس شديدة التنافس، خاصة في المناطق المحيطة بمدينتي ديربورن وديترويت.
ويتعين على المرخحين الذين يخوضون منافسات بفوارق ضئيلة الاهتمام بمعدلات المشاركة بين هذه المجتمعات التي تزايد استياؤها من الحزبين خلال أحداث غزة. وسبق أن صوت بعض الناخبين الذين اعتادوا دعم الديمقراطيين لصالح ترامب في انتخابات عام 2024، بعدما تعهد بإنهاء الحروب الخارجية وتقليل التدخل العسكري الأمريكي، بينما اختار آخرون الامتصاع عن التصويت. غير أن تداعيات المواجهة العسكرية التي يخوضها ترامب مع إيران قد تنعكس على قرارات هؤلاء الناخبين، خصوصًا إذا شعروا بخيبة أمل نتيجة تجدد العمليات العسكرية، مما قد يدفع البعض إلى العودة لدعم المرشحين الديمقراطيين المعارضين للحرب، أو بسبب الاعتقاد بعدم نجاح الإدارة في تحقيق تحسن ملموس بتكاليف المعيشة.
ولا يقتصر النفوذ السياسي للعرب والمسلمين على عملية التصويت وحدها، فقد تطور عبر المشاركة الفعالة في الحكومات المحلية؛ حيث أقام المسؤولون المنتخبون والمنظمات المجتمعية في ديربورن علاقات مع حملات المرشحين للكونجرس وشخصيات سياسية على المستوى الوطني. وتؤدي هذه الجهات دورًا مؤثراً في معدلات مشاركة الناخبين عندما تكون لدى المرشحين معرفة محدودة باهتمامات المجتمعات المحلية ومخاوفها. وفي ولايات أخرى مثل مينيسوتا وفيرجينيا، تطورت شبكات سياسية تشارك في حملات تسجيل الناخبين وتنظيم المنتديات السياسية، مما يتيح طرح تساؤلات مباشرة بشأن مواقف السياسيين من مختلف القضايا.

وفي السياق ذاته، يحاول الحزب الديمقراطي إعادة بناء علاقاته مع هذه المجتمعات بعد الأضرار السياسية التي لحقت به نتيجة تعامل إدارة الرئيس السابق جو بايدن مع ملف الحرب في غزة. وأصبح بعض المرشحين الديمقراطيين أكثر انتقادًا للعمليات العسكرية الإسرائيلية، وطالبوا بفرض قيود إضافية على المساعدات العسكرية المقدمة لإسرائيل، بينما ركز آخرون على معارضة المواجهة العسكرية مع إيران. وركزت حملات مثل حملة المرشح الديمقراطي لمجلس الشيوخ عبد السيد على معارضة الانخراط العسكري الطويل في الشرق الأوسط، إلى جانب تسليط الضوء على تكاليف الرعاية الصحية والأعباء المالية للعائلات العاملة.
وفي المقابل، يستمر وجود تيار داخل الحزب الديمقراطي يدعم التعاون الأمني الأمريكي الواسع مع إسرائيل، وهو ما يسبب خلافات داخلية بشأن التعامل مع هذه القضية. كما ينشط بعض المنظمات المتعاطفة مع جماعة الإخوان المسلمين في توسيع نطاق وصولها إلى السياسيين الديمقراطيين عبر شبكات المناصرة المرتبطة بالحقوق المدنية وسياسات الشرق الأوسط، بهدف المطالبة بدعم أشخاص مسجونين في الخارج أو الترويج لإعادة التأهيل السياسي للحركة، مما قد يضع المشرعين الديمقراطيين أمام وجهات نظر متباينة داخل المجتمعات العربية والمسلمة، خصوصًا من جانب العلمانيين.
ويعود تاريخ التصويت داخل الجاليات العربية الأمريكية إلى حضور جمهوري ملحوظ في مراحل سابقة، خاصة بين أصحاب الأعمال والعائلات ذات التوجهات المحافظة اجتماعيًا؛ فقد حصل الرئيس الأسبق جورج بوش الابن على دعم كبير عام 2000 بعدما لاقت مواقف الجمهوريين بشأن الضرائب والقيم الدينية قبولًا واسعًا. لكن المشهد تغير بعد هجمات 11 سبتمبر 2001 مع تصاعد الإجراءات الأمنية وشكوك المجتمع تجاه المسلمين. وفيما بعد، طوّر كثير من المسلمين الأمريكيين علاقات أقوى مع السياسيين الديمقراطيين المدافعين عن الحريات المدنية، وعززت القيود التي فرضها ترامب خلال ولايته الأولى على السفر من دول ذات أغلبية مسلمة هذه التوجهات.
ومع ذلك، تظل العلاقة بين المسلمين الأمريكيين والحزب الديمقراطي محكومة ببعض الخلافات، إذ يشعر بعض الناخبين بعدم الارتياح تجاه المواقف التقدمية للحزب في قضايا الجنس والتعليم، حيث وجد بعض الآباء توافقًا أكبر مع المرشحين الجمهوريين في الانتخابات المحلية، بينما يفضل المحافظون دينيًا مواقف الجمهوريين بشأن الإجهاض. وتظل الاعتبارات الاقتصادية عنصرًا محوريًا في حسم الخيارات الانتخابية لجميع القطاعات، حيث يفضل أصحاب الأعمال خفض الضرائب وتقليل القيود التنظيمية، بينما تميل عائلات الطبقة العاملة إلى دعم الإنفاق العام والرعاية الصحية.