أبعاد

من التقويم إلى الحبر.. ابتكارات مصرية قديمة ما زلنا نستخدمها اليوم

حين نتعامل مع التقويم ونحسب الأيام، أو نمسك قلمًا ونكتب على ورق، قد لا يخطر ببالنا أن جذور هذه التفاصيل اليومية ضاربة في حضارة عمرها آلاف السنين: مصر القديمة، حيث لم تكن المعرفة حكرًا على المعابد وحدها، ولا الابتكار ترفًا؛ بل كان استجابة مباشرة لحاجات المجتمع.

فقد أنتجت مصر القديمة عددًا مذهلًا من الابتكارات التي شكّلت حلولًا عملية لحاجات يومية ظلّت تتكرّر عبر القرون: تنظيم الوقت والمواسم، وتوثيق المعرفة، والاهتمام بالنظافة والمظهر، وتأمين البيوت والممتلكات، وحتى ابتكار أشكال مبكرة من الترفيه الجماعي.

المثير أن كثيرًا من تلك الأفكار لم يبقَ حبيس المتاحف، إذ امتدت خطوطه إلى تفاصيل كثيرة في حياتنا الحديثة بأشكال مختلفة. فمن تقويم 365 يومًا إلى ورق البردي والحبر، ومن أدوات التجميل إلى الأقفال، وصولًا إلى ألعاب الكرة المبكرة، تبدو بعض الابتكارات المصرية وكأنها “أدوات تأسيس” لما نعيشه اليوم.

في ما يلي جولة على نماذج من ابتكارات مصرية قديمة ما تزال أشكالها أو مبادئها حاضرة حتى اليوم.

اختراعات مصرية قديمة لا تزال مستخدمة حتى اليوم

ليست هذه الاختراعات مجرد مقتنيات متحفية أو حكايات منقوشة على الجدران، وإنما مفاتيح لفهم كيف اشتغلت الحضارة المصرية على تحويل الملاحظة إلى نظام، والحاجة إلى أداة، والتجربة اليومية إلى تقليد قابل للانتشار.

من ضبط الوقت إلى أدوات الكتابة، ومن العناية بالمظهر إلى وسائل الحماية والأمان، تكشف هذه الأمثلة كيف أسّست مصر القديمة لجزء من “المألوف” الذي نعيشه اليوم.

التقويم

كيف وصل المصريون إلى فكرة “السنة المنظّمة”؟

يرجع أصل التقويم المكوّن من 365 يومًا، المعروف اليوم، إلى مصر القديمة؛ إذ طُوّر لتتبّع الدورة الزراعية السنوية وفيضان النيل، وفق موقع “هيستوري رايز (1).

ولاحظ الفلكيون المصريون أن الشروق الاحتراقي للنجم “سيريوس” يشير إلى بداية موسم الفيضان، فبنوا تقويمًا شمسيًا يتألف من 12 شهرًا، في كل شهر 30 يومًا، تليها خمسة أيام احتفالية إضافية في نهاية السنة.

احتاجت الزراعة إلى معيار ثابت يضبط المواسم ويُسهِّل التنبؤ بتوقيت فيضان النيل، فكان رصد السماء جزءًا من إدارة الأرض.

وساعد هذا النظام المزارعين على توقّع تغيّر الفصول والتخطيط للزراعة والحصاد بدقّة أكبر.

ومع أن الغرض الأول ارتبط بإيقاع النيل، فقد أثّر التقويم الشمسي المصري لاحقًا في أنظمة الوقت اليونانية والرومانية، وأصبح أساسًا للتقويم الحديث المستخدم حول العالم.

تقويم مصري قديم محفور على جدار حجري لمعبد الكرنك في الأقصر  – موقع أطلس العالم 

البردي والحبر (أدوات الكتابة)  

لماذا كانت الكتابة ثورة إدارية ومعرفية؟

غم أن الأحبار عُرفت في مناطق أخرى من العالم، طوّر المصريون القدماء واحدًا من أقدم وأكثر أنظمة الكتابة تأثيرًا، عبر استخدام الحبر على البردي، وفق موقع “هيستوري رايز(2).

حين تصبح الدولة أكثر تعقيدًا، يتحوّل التوثيق إلى ضرورة: سجلات، أوامر، عقود، تعليم، ونصوص دينية وأدبية. هنا ظهرت حاجة إلى “سطح كتابة” و”مادة كتابة” عمليين.

وكان الحبر يُصنع عادةً من السخام الممزوج بالماء والصمغ العربي، فتنتج صبغة سوداء متينة تلتصق جيدًا بأسطح الكتابة. أما البردي فكان يُصنع من شرائح رفيعة من ساق نبات البردي تُرصّ وتُضغط وتُجفف حتى تتحول إلى صفحات صالحة للتدوين.

 رسم توضيحي للبردي في مصر القديمة – غيتي

وقد نجت آلاف الوثائق البردية عبر قرون طويلة، حافظة سجلات الإدارة والأدب والحياة اليومية في مصر، ومظهرة تطورًا مبكرًا في مواد الكتابة التي أثّرت في تقاليد لاحقة حول العالم.

واستخدم المصريون كذلك أدوات كتابة متقدمة لزمنها، من أقلام القصب والفرش المصنوعة من ألياف نباتية، إلى أحبار كربونية متعددة الألوان، ومواد بديلة مثل شظايا الفخار (الأستراكا) ورقائق الحجر الجيري والألواح الخشبية. 

وكانت هذه الأدوات حاضرة في نسخ النص الهيروغليفي، إلى جانب أنظمة الكتابة المتصلة الهيراطيقية والديموطيقية التي سجّلت النصوص الدينية والوثائق الإدارية.

مستحضرات التجميل

المكياج عند المصريين: وظيفة قبل أن يكون زينة

احتلت مستحضرات التجميل مكانة بارزة في الحياة اليومية بمصر القديمة، وظهر مكياج العين منذ نحو 4000 قبل الميلاد.

وصنع المصريون الكحل الأسود من مادة “الجالينا” أو من السخام، واستخدموه بأدوات دقيقة لصناعة الشكل اللوزي المميز في فنهم. كذلك أنتجوا دهانات عيون خضراء من مسحوق الملكيت.

ارتبطت مستحضرات التجميل بالهوية الاجتماعية والطقوس الدينية، وبحاجات عملية فرضتها البيئة والضوء القاسي.

وكان الرجال والنساء يضعون المكياج بوظائف متعددة: اجتماعية ودينية وعملية؛ للإشارة إلى المكانة، وتكريم الآلهة، وتقليل وهج الشمس، وتوفير حماية روحية من قوى ضارة مثل “العين الشريرة”.

وقد تركت هذه التقاليد أثرًا مبكرًا على ممارسات المكياج المعروفة اليوم.

 كانت مستحضرات التجميل جزءًا أساسيًا من الحياة اليومية في مصر القديمة – غيتي

حبوب إنعاش النفس

عندما تصير رائحة الفم مشكلة “بيئية”

كانت مشاكل الأسنان منتشرة في مصر القديمة، ويُعزى ذلك إلى أن الدقيق كان يُطحن بأدوات حجرية تخلّف حبيبات دقيقة من الرمل تختلط بالطعام اليومي.

ومع الزمن، ساهم ذلك في تآكل مينا الأسنان، فازدادت احتمالات العدوى والتسوس والألم المزمن، وهي ظروف ارتبطت غالبًا برائحة فم غير محببة.

نمط الطحن بالأحجار أدخل حبيبات دقيقة إلى الطعام، ومع الزمن تحوّلت الأسنان إلى ضحية تآكل مزمن، ما فتح الباب أمام حلول مبكرة للعناية بالفم.

ولمواجهة هذه المشكلة، ابتكر المصريون بعضًا من أقدم حبوب إنعاش النفس المعروفة؛ إذ مزجوا مكونات عطرية مثل اللبان والقرفة والمرّ مع العسل، ثم شكّلوا الخليط على هيئة كرات صغيرة. وكانت هذه الحبوب علاجًا ومنعشًا عطريًا للفم في آن واحد، حسب موقع “grin.deltadentalins” (3).

الحلاقة وقص الشعر

النظافة والمظهر.. ومعادلة الحرّ والقمل

شكّلت إزالة الشعر جزءًا مهمًا من الحياة اليومية في مصر القديمة، إذ ساعدت الحلاقة الناس على البقاء أكثر راحة في المناخ الصحراوي، والحد من القمل ومشاكل صحية أخرى.

في مناخ صحراوي، ومع كثافة العمل اليومي، ظهرت الحلاقة بوصفها ممارسة صحية واجتماعية في الوقت نفسه.

وكان كثير من الرجال والنساء يحافظون على شعر قصير، أو يزيلونه بالكامل، فيما اعتاد الكهنة الحلاقة المنتظمة بوصفها علامة على الطهارة الطقسية.

شكّلت إزالة الشعر جزءًا مهمًا من الحياة اليومية في مصر القديمة – موقع أطلس العالم

ودفع هذا الاهتمام بالمظهر إلى تطوير أدوات حلاقة مبكرة صُنعت أولًا من الصوان، ثم من النحاس والبرونز.

ومع اتساع الحاجة، ظهر حلاقون مهرة يزورون المنازل لقص الشعر وحلاقة الزبائن، وصار المظهر الأملس والمرتب مرتبطًا بالمكانة والنظافة داخل المجتمع المصري.

الأقفال

أمن البيوت فكرة قديمة… والآلية أصلها فرعوني

طوّر المصريون القدماء واحدًا من أقدم الأقفال ذات الدبابيس في العالم، وهو السلف المباشر للعديد من تصاميم الأقفال الحديثة.

ويعود تاريخ هذه الأجهزة إلى نحو 2000 قبل الميلاد، وكانت تستخدم مزلاجًا خشبيًا يحتوي على دبابيس متحركة يمكن رفعها إلى مكانها بواسطة مفتاح مُشكّل خصيصًا، ما يسمح للمزلاج بالانزلاق وفتح الباب.

حين تتوسع البيوت والمخازن وتزداد الملكيات، يصبح السؤال واضحًا: كيف نحمي الأشياء؟

وعلى الرغم من أن المبدأ الأساسي مشابه للأقفال الحديثة، فإن النسخ المبكرة كانت كبيرة الحجم وثقيلة، غالبًا يزيد طولها عن نصف متر، ومصنوعة بالكامل من الخشب.

ورغم حجمها، فإنها تمثل واحدة من أكثر آليات الأمان تطورًا في العالم القديم.

طور المصريون القدماء واحدًا من أقدم الأقفال ذات الدبابيس في العالم – موقع أطلس العالم 

 

لعبة البولينغ

الترفيه المنظَّم أقدم مما نتخيّل

رغم اختلافها عن الرياضة الحديثة، فقد وُجد شكل من أشكال البولينغ في مصر القديمة. فقد اكتشف علماء الآثار في موقع “نارموثيوس”، على بعد نحو 90 كيلومترًا جنوب غرب القاهرة، غرفة تحتوي على ممر حجري ضيق يبلغ طوله نحو أربعة أمتار وعدة كرات بأحجام مختلفة.

الألعاب ليست ترفًا هامشيًا؛ غالبًا ما تكشف عن ذائقة المجتمع وقدرته على ابتكار قواعد مشتركة للمرح.

ويشير التخطيط إلى لعبة كان فيها اللاعبون يدحرجون كرات أكبر نحو حفرة مركزية بدلًا من استهداف دبابيس قائمة.

وتشبه هذه اللعبة جوانب من لعبة البوتشي أو “البولينغ على العشب”، وتُظهر أن ألعاب الكرة المنظمة، بوصفها أسلافًا لتقاليد البولينغ الحديثة، كانت تُمارس في مصر قبل نحو ألفي عام، حسب موقع “بولينغ ميوزيوم(4).

رسم أثري لقطع أثرية عُثر عليها عام 1895 في مقبرة قديمة في مصر – موقع أطلس العالم  

 

من تنظيم السنة إلى توثيق الكلمات، ومن أدوات العناية اليومية إلى مفاتيح الأبواب، تبدو ابتكارات مصر القديمة أقرب مما نتصوّر: أفكار وُلدت لتخدم الحياة اليومية، ثم عبرت الأزمنة لأنها ببساطة كانت عملية وقابلة للتطوير. وربما لهذا السبب بالذات ما زلنا نلمس آثارها كل يوم… من دون أن ننتبه.

المراجع

 

lk hgjr,dl Ygn hgpfv>> hfj;hvhj lwvdm r]dlm lh .gkh ksjo]lih hgd,l

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر