أبعاد

الشيوعي الذي تحالف مع الإسلاميين.. رمزي الخب قائد احتجاجات جامعة اليرموك

لم يكن خبر وفاة رمزي الخب حدثًا شخصيًا لعائلته ورفاقه فقط، بل استدعاءً لمحطة ما زالت محفورة في تاريخ الحركة الطلابية الأردنية: أحداث جامعة اليرموك عام 1986، حين تحوّل اعتصام طلابي إلى مأساة غير مسبوقة.

كان الخب، عضو الحزب الشيوعي الأردني يومها، أحد أبرز وجوه ذلك الحراك الذي شهد أيضًا أول تحالف طلابي بين الشيوعيين والإسلاميين، قبل أن تنتهي المواجهة باقتحام أمني دمويّ.

في الخامس عشر من مايو/ أيار 1986، وتحديدًا عند الساعة الواحدة والربع ليلًا، اقتحمت قوات البادية التابعة للأمن العام الأردني جامعة اليرموك التي تقع في مدينة إربد (شمالي الأردن) لفض اعتصام طلّابي احتجاجي. 

كان القرار الحكومي قد اتّخذ بفض الاعتصام حتى لو اقتضى الأمر اللجوء إلى القوة، وهو ما حدث بدخول قوات الأمن حرم الجامعة مستخدمة الغاز المسيّل للدموع، قبل أن تبدأ بملاحقة الطلاب بالعصي والهراوات.

ولم تشرق شمس اليوم التالي على ذلك الحدث الاستثنائي في تاريخ الأردن وحركته الطلابية حتى تكشّف المشهد عن مأساة حقيقية: مقتل ثلاثة طلاب خلال الأحداث، هم إبراهيم حمدان الذي كان في سنته الدراسية الأخيرة في كلية الهندسة، والطالبتان مها محمد قاسم ومروة طاهر الشيخ.  

العاهل الأردني الراحل الملك حسين يرعى افتتاح جامعة اليرموك – مواقع التواصل

كما أصيب في تلك الأحداث مئات الطلاب جرّاء تفريقهم بقوة مفرطة، وملاحقتهم داخل الحرم الجامعي من مبنى إلى آخر، بل وحتى داخل خزّانات المياه وحمّامات الجامعة.

ولم يقتصر الأمر على الحرم الجامعي، بل شملت الملاحقات مدينة إربد بأسرها، حيث فُتّشت بيوت واعتُقل عشرات الطلاب من الشوارع أو من داخل منازلهم. وكانت واحدة من أوسع حملات الاعتقال في تاريخ المدينة، التي يتسم أهلها بالوداعة والتعاطف مع طلاب الجامعة، التي أُنشئت عام 1976 فغيّرت ملامح إربد ونشّطت قطاعي العقارات والخدمات فيها.

في قلب تلك الأحداث كان رمزي الخب، الطالب في كلية الآداب والعضو في الحزب الشيوعي الأردني، الذي قاد الاحتجاجات الطلابية آنذاك، جنبًا إلى جنب الطالبين في كلية الهندسة، سعد الطاهر العضو في جماعة الإخوان المسلمين، وموسى الزيتاوي العضو في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطينفرع الأردن

ورغم أن تلك الأحداث ساهمت من ضمن أسباب أخرى في إلغاء الأحكام العرفية في البلاد واستئناف الحياة البرلمانية، إلا أن قادة تلك الاحتجاجات لم يحصدوا سوى الخيبة في حياتهم لاحقًا، وانتهوا إلى اعتزال العمل العام أو الهجرة وعدم العودة إلى البلاد. 

من الأرشيف | حلقة سابقة من برنامج “كنت هناك” تسلط الضوء على أحداث جامعة اليرموك

“من الصعب أن تكون القائد رمزي الخب”

في العاشر من يناير/ كانون الثاني الجاري، نعى الحزب الشيوعي الأردني الخب الذي نجا من تلك الأحداث، وقضى نحو ستة أشهر متخفيًا بعد وقوعها قبل أن يفر إلى سوريا حيث اعتُقِل نحو ثلاثة أشهر، ولم يعد منها إلى بلاده إلا عام 1991 بعد الانفراج الديمقراطي، حيث اعتزل السياسة منذ ذلك الوقت حتى وفاته.

وجاء في بيان الحزب الشيوعي الذي حمل عنوان “من الصعب جدًا أن تكون القائد رمزي الخب“:

أجمل الأبطال هم أولئك الذين يجعلون البطولة حدثًا عاديًا. أناس عاديون مثلنا يحبون ويكرهون، يغضبون ويفرحون، يؤمنون ويعملون، من خلال عملهم يصنعون بطولات يذكرها التاريخ دون التفات حقيقي منهم إلى ما سيقوله التاريخ عنهم.

رمزي الخب واحد من هؤلاء الأبطال، رغم أنه لم يعترف يومًا بالبطولة. 

وسرد الحزب الشيوعي في بيانه سيرة قائد الحركة الطلابية الأردنية في ثمانينات القرن الماضي، رمزي الخب، الذي ولد في مدينة الرمثا (شمالي البلاد) عام 1960 لأب كان يعمل في محطة وقود، ويعيل أسرة كبيرة العدد (12 ابنًا وابنة).

قاد رمزي الخب احتجاجات جامعة اليرموك مع آخرين عام 1986 – مواقع التواصل 

ساهمت الأوضاع الصعبة لعائلة الخب في اعتناقه الفكر الماركسي، وانضمامه إلى الحزب الشيوعي الذي كان تأثيره قد انحسر كثيرًا في ثمانينات القرن الماضي، مقارنة بالخمسينيات والستينيات التي شهدت عصره الذهبي. 

وقال الحزب إن الهبة الجماهيرية الأردنية لدعم المقاومة الفلسطينية واللبنانية عام 1978 كانت الشرارة التي ألهمت الخب فكرة المقاومة والنشاط السياسي، وخاصة بعد التحاقه بجامعة اليرموك حديثة الإنشاء آنذاك، حيث “برزت قدراته التنظيمية والقيادية“، فشارك في تنظيم حملة للتبرع بالدم والتطوع مع بداية الغزو الإسرائيلي للبنان عام 1982. 

وساهمت إجراءات إدارية جامعية في قيادة الخب للحركة الطلابية، ومنها وضع إدارة الجامعة خطة لرفع المعدل التراكمي المطلوب ما أدى إلى فصل نحو 560 طالبًا عام 1984. وتسبّب ذلك بحركة احتجاجية طلابية واسعة وتعليق الدراسة الجامعية، ما أدى إلى إلغاء الجامعة لقراراتها تلك، بعد مفاوضات شاركت فيها لجنة طلابية كان الخب عضوًا فيها.

كان ذلك نجاحًا كبيرًا للحركة الطلابية الأردنية، ولكن كان على أحدهم أن يدفع ثمن ذلك. 

أحداث جامعة اليرموك

بعد تراجع الجامعة عن قراراتها وعودة الطلاب إلى مقاعد الدراسة، اعتقلت الأجهزة  الأمنية رمزي الخب فقط من دون بقية زملائه، وفق بيان الحزب الشيوعي، حيث قضى عامًا ونصف العام في الاعتقال قبل أن يفرج عنه.

كانت الجامعة تتهيأ آنذاك لأكبر الأحداث في تاريخها وأكثرها دموية، متمثلة باقتحام قوات الأمن لحرمها بعد خروج الخب من المعتقل بأشهر قليلة.

ففي الفصل الدراسي الثاني الذي بدأ في فبراير/ شباط 1986 اتخذت إدارة الجامعة قرارًا بفرض رسوم تدريب على طلاب كلية الهندسة، ما أشعل الاحتجاجات الطلابية التي بدأها طلاب الهندسة بقيادة الطالب سعد الطاهر، الذي كان ينتمي لجماعة الإخوان المسلمين.

تغطية الصحافة المحلية لأحداث جامعة اليرموك عام 1986 – مواقع التواصل 

دخل الطلاب في عملية تفاوض مع نائب رئيس الجامعة آنذاك مروان كمال، فوعدهم بدراسة مطالبهم من دون أن يؤكد لهم احتمال تراجع الجامعة عن قرارها على غرار سابقة احتجاجات عام 1984. 

أدى هذا إلى توسّع دائرة الاحتجاجات التي امتدت إلى كليات الجامعة الأخرى، ونشوء أول تحالف في تاريخ الحركة الطلابية بين الشيوعيين والإسلاميين، حيث قاد الخب (الحزب الشيوعي) وسعد الطاهر (جماعة الإخوان) وآخرون تلك الاحتجاجات التي تحوّلت إلى إضراب، بعدما شارك فيها نحو 60% من طلاب الجامعة، وفقًا لبيان الحزب الشيوعي.

واتخذت الأحداث مسارًا آخر، مع تعالي الأصوات المطالبة بعقد مؤتمر طلابي موسع لتأسيس اتحاد للطلبة، وهو ما رفضته إدارة الجامعة بشكل قاطع. 

  د. عدنان بدران أول رئيس لجامعة اليرموك – مواقع التواصل

وفي اجتماع دعا إليه قادة الاحتجاجات وشارك فيه ما بين 1500 إلى 2000 طالب، وحضره رئيس الجامعة في حينه عدنان بدران، الذي أصبح رئيسًا للوزراء بعد نحو عقدين من الزمن، رفض بدران منح الاجتماع الطلابي أي شرعية من أي نوع، واعتبره غير قانوني وغير ملزم لإدارة الجامعة. 

قتلى ومئات المصابين والمعتقلين

بعد ذلك، تسارعت الأحداث التي سبقت اقتحام الجامعة في 15 مايو 1986، حيث اجتمع رئيس الجامعة في اليوم نفسه الذي خاطب فيه الطلاب، مع مدير الأمن ومدير المخابرات في مدينة إربد.

وتقرّر تطويق الجامعة وإغلاق أبوابها ومنع الطلبة الذين لا يقدّمون امتحانات من دخولها، وفصل من وصفوا بالمحرضين، وهم 32 طالبًا من بينهم رمزي الخب وسعد الطاهر وموسى الزيتاوي

وما هي إلا ساعات حتى طلب رئيس الجامعة من مدير الأمن العام الأردني اقتحام الجامعة وفض اعتصام الطلاب بالقوة. 

ولتدارك الأوضاع التي أثارت قلق الرأي العام في البلاد، قاد أحد نواب البرلمان الأردني (النائب أحمد الكوفحي) مفاوضات اللحظة الأخيرة، ودعا الطلاب المعتصمين للخروج من مباني الجامعة كلها ثم العودة إلى مقاعد الدراسة/ ليتمّ التفاوض بعد ذلك مع إدارة الجامعة على مطالبهم.

لكن الطلاب رفضوا الصيغة التي عُرضت عليهم، فانسحب النائب من الوساطة وأخبر المعتصمين أن الأمور خرجت من بين يديه.

كما دعت جماعة الإخوان الطلاب المنتمين إليها للانسحاب من الاعتصام، لكنّ القيادي الطلابي في الجماعة، سعد الطاهر ورفاقه في الجماعة من الطلاب، رفضوا الدعوة وأصروا على مواصلة الاعتصام.

صورة لجامعة اليرموك عام 1986 – مواقع التواصل 

وفي منتصف تلك الليلة، اقتحمت قوات الأمن الجامعة وفضت الاعتصام بقوة مفرطة، وتلقى الخب عدة ضربات أفقدته وعيه، لكنّ زملاءه نجحوا في إخراجه من الجامعة، ولاحقًا من مدينة إربد، حيث بدأت رحلة اختبائه في العاصمة عمّان متنقلًا من مخبأ إلى آخر لنحو ستة أشهر، قبل أن يهرّبه الحزب الشيوعي إلى سوريا.

إلا أنّ سوريا لم تكن رفيقة بالخب، فاعتقلته سلطاتها فور دخوله أراضيها لنحو ثلاثة أشهر، وبقي فيها بعد إطلاق سراحه حتى مطلع عام 1990.

وبعد إلغاء الأحكام العرفية في الأردن، وعودة الحياة البرلمانية في البلاد مطلع التسعينيات عاد الخب إلى الأردن والتزم الصمت، معتزلًا العمل العام حتى وفاته.

 25 عامًا من الصمت والعزلة 

قبل وفاة الخب، كتب الناشط الأردني أحمد أبو خليل، وهو من رفاق الخب، على صفحته على فيسبوك، مستذكرًا صفات رفيقه ولجوءه للعزلة والصمت، قائلًا: 

قرر الخب منذ عام 1991 التوقف والصمت، وقد مارس ذلك بدرجة عالية من التهذيب لم أرها عند غيره. 

تمسك الخب منذ ذلك الوقت بلقب “رمزي سابقا”، ولم يثقل على أحد بماضيه وبتضحياته، وكان ذلك عنده تواضعًا طبيعيًا مكسوًا بحياء كنت ألمسه عنده واعرفه جيدًا، وذلك عندما يشير إليه أحد أو يمتدحه أو يشيد بدوره. 

يذكر أن الحكومة الأردنية شكّلت بعد أحداث جامعة اليرموك لجنة تحقيق وزارية أدانت التدخل الأمني داخل الجامعة، وحمّلت إدارة الجامعة مسؤولية الأحداث، وعلى إثرها صدر عفو ملكي عن الطلبة المعتقلين، وأقيل رئيس الجامعة عدنان بدران الذي فصل أيضًا أكثر من عشرين إداريًا وأكاديميًا، بعضهم رفيع المستوى، بتهمة التعاطف مع الاحتجاجات الطلابية.  

آثر الخب بعد عودته إلى الأردن من سوريا، الصمت حتى وفاته، وتوفي قبله بعام موسى الزيتاوي، القيادي في الحركة الطلابية، أما سعد الطاهر فقد انفصل عن جماعة الإخوان بعد اعتقاله على خلفية أحداث الجامعة، وغادر إلى السعودية للعمل فيها، ويرجّح أنه لم يعد إلى الأردن منذ ذلك الوقت.

بين العزلة والمناصب..مصائر قادة الطلاب وقامعيهم

كانت هذه مصائر ثلاثة من أبرز قادة الحراك الطلابي في الثمانينات، وتراوحت ما بين العزلة والصمت رغم إجماع مؤرخي ودارسي تلك الحقبة أنها مهّدت للتحوّل الديمقراطي في البلاد.

 جامعة البترا الأردنية تكرم عدنان بدران الذي شغل منصب رئيس الوزراء – مواقع التواصل

في المقابل واصل رئيس جامعة اليرموك المُقال آنذاك عدنان بدران (مواليد عام 1935)، وهو شقيق رئيس الوزراء الأسبق مضر بدران، مسيرته السياسية، حتى تولى رئاسة الوزراء في الأردن عام 2005.

أما مدير الأمن العام عبد الهادي المجالي (1934 – 2021) الذي أشرف على اقتحام جامعة اليرموك، فتولى عدة مناصب حكومية وترأس البرلمان الأردني لعدة دورات برلمانية. 

hgad,ud hg`d jphgt lu hgYsghlddk>> vl.d hgof rhz] hpj[h[hj [hlum hgdvl,;

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ